
كتب د. عبدالله بارودي
من بيروت، يبدأ “تيار المستقبل” اختبار العودة إلى الحياة السياسية، في مسار لا يقتصر على إعادة تحريك الهيئات التنظيمية، بل يذهب نحو مراجعة التجربة وإعادة رسم الهوية السياسية للتيار، بمشاركة كوادره ومناصريه، وتحت سقف قيادة الرئيس سعد الحريري.
يوم غد، لا يبدأ “تيار المستقبل” مجرد جولة لقاءات مناطقية، بل يفتتح مسارًا سياسيًا وتنظيميًا يُفترض أن يحدد ملامح المرحلة المقبلة، انطلاقًا من العاصمة بيروت، وصولًا إلى محطات أسبوعية تمتد من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب مرورًا بالبقاع، من دون استثناء أي مكوّن من مكوّنات الحالة المستقبلية.
لكن ما لا يعرفه كثيرون أن هذه الخطوة ليست وليدة قرار اتُّخذ قبل أيام، ولا مجرد تحرك تنظيمي جرى تعميمه على المنسقيات. فبحسب معلومات “ديمقراطيا نيوز”، هذه الخطوة سبقتها ورشة عمل داخلية غير معلنة، جمعت شخصيات محددة استمرت أشهرًا، جرى خلالها بحث السيناريوهات المحتملة والتحديات السياسية والتنظيمية، قبل أن يستقر الخيار على منح الكوادر والمناصرين مساحة فعلية للمشاركة في صياغة مستقبل تيارهم، بدل الاكتفاء بتلقي القرارات والتوجيهات. هنا تكمن النقلة الأهم: من قيادة ترسم وحدها، إلى قاعدة يُراد لها أن تشارك في رسم الاتجاهات والخيارات بعد اعطاء المجال لها بالتعبير عن ملاحظاتها وتقييم المرحلة سابقة .
فاللقاءات التي تنطلق من وسط بيروت لن تكون وفق المعطيات المتوافرة، اجتماعات تقليدية لمناقشة شؤون حزبية أو إصدار توصيات جاهزة. إنها محاولة لفتح صفحة نقد ومصارحة، والاستماع إلى الهواجس والأسئلة والاعتراضات، بما فيها تلك التي يحملها كوادر سابقون ابتعدوا عن الإطار التنظيمي لأسباب مختلفة، لكنهم لم يغادروا بالضرورة الحالة السياسية أو الشعبية للتيار.
غير أن الأنظار ستتجه، قبل أي شيء آخر، إلى كلمة الأمين العام أحمد الحريري في افتتاح محطة بيروت. فالمعلومات التي حصل عليها “ديمقراطيا نيوز” تشير إلى أن الخطاب سيحمل مقاربة مختلفة في مفرداته ورسائله السياسية، مع تحديد ضوابط ومفاهيم تتصل بالمرحلتين الداخلية والإقليمية، بما قد يفتح بابًا جديدًا في طريقة تقديم “تيار المستقبل” لنفسه ولجمهوره.
والسؤال هنا ليس فقط ماذا سيقول الحريري، بل ما الذي سيعلنه عن مستقبل التيار، ودوره، وحدود حركته، وموقعه في المشهد اللبناني والإقليمي المتغيّر؟
ثمة من يقول ، ان الرسالة التي يسعى هذا المسار إلى إيصالها تتجاوز البيت المستقبلي. داخليًا، ثمة محاولة لاستعادة الثقة والنبض وإثبات أن التيار لم يتحول إلى ذكرى سياسية، كما يحلو لبعض خصومه تصويره، بل لا يزال يمتلك قاعدة شعبية وحضورًا يمكن إعادة تنظيمه وتفعيله.
أما سياسيًا، فالمسألة أكثر حساسية: هل ينجح “تيار المستقبل”، بقيادة سعد الحريري، في تثبيت موقعه قوةً أساسية على الساحة السنية، واستعادة دوره في حماية التوازنات الوطنية، في ظل التحولات اللبنانية والإقليمية المتسارعة؟
لا تكفي اللقاءات وحدها لتقديم إجابة نهائية، لكن ما سيصدر عنها، وما ستقوله القيادة وما ستسمح للقاعدة بتغييره، سيحدد إلى حد بعيد طبيعة هذه العودة وحدودها.
ولعل الوصف الأكثر دلالة لما يبدأ غدًا هو أنه محاولة لكتابة “مقدمة دستور” سياسي جديد ل”تيار المستقبل”.. مقدمة ترسم مبادئه، وتحدد خياراته، وتضبط علاقته بجمهوره وبالقوى المحلية والإقليمية، وتضع خطوطًا لا ينبغي تجاوزها مهما اشتدت الضغوط.
من بيروت تبدأ المحطة الأولى، لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في حجم الحضور أو حرارة التصفيق، بل فيما إذا كان “المستقبل” قادرًا على تحويل المصارحة إلى قرارات، والمشاركة إلى شراكة، والعودة التنظيمية إلى حضور سياسي فعلي.
غدًا الأحد، يبدأ التيار كتابة السطور الأولى. أما شكل المرحلة الجديدة، فسيُحسم بقدر ما ينجح في الإجابة عن سؤال واحد: أيُّ مستقبل يريد “تيار المستقبل” لنفسه، وأي دور يستطيع أن يلعبه في مستقبل لبنان؟
