
بقلم إحسان الطبش
تتجه الأنظار إلى مفاوضات تامبا المقررة في 20 تشرين الأول، وسط تضارب واضح في الأولويات بين لبنان وإسرائيل، وجهود أميركية لإنهاء الصراع. فبينما تطالب بيروت بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية، تضع تل أبيب نزع سلاح حزب الله شرطاً أساسياً قبل الانتقال إلى التهدئة والانسحاب، ما يطرح علامات استفهام حول فرص تحقيق نتائج ملموسة.
يرى الباحث والخبير الاستراتيجي سمير سكاف أنّ واشنطن تسعى إلى إنهاء الصراع، فيما تختلف أهداف الأطراف المعنية. فلبنان يريد وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، بينما تركز إسرائيل على أمنها ونزع سلاح حزب الله أو تسليمه، قبل بحث التهدئة والانسحاب وصولاً إلى السلام. ويعتبر سكاف أنّ هذا التباين يجعل الأطراف تجلس إلى طاولة واحدة، لكنها تفاوض انطلاقاً من أولويات مختلفة، ما يحدّ من فرص التقدم.
ويشير إلى أنّ الدولة اللبنانية تحاول تحقيق نتائج جزئية والتقدم تدريجياً نحو انسحابات أوسع، لافتاً إلى أنّ الخيام وبنت جبيل طُرحتا سابقاً ضمن تصوّرات المناطق التجريبية. لكنه يرى أنّ أي خطوات إيجابية تبقى محدودة ما دامت شروط الأطراف غير متطابقة، حتى لو ظهرت مؤشرات مشجعة في التصريحات أو الأوراق التفاوضية.
ويضيف سكاف أنّ ملف سلاح حزب الله يزيد المشهد تعقيداً، إذ لا يتوافق الحزب، بحسب تقديره، مع مطالب الحكومة اللبنانية والشروط الأميركية والإسرائيلية، معتبراً أنّ قراراته مرتبطة بإيران ولا تنسجم مع مصالح الدولة اللبنانية. ويستشهد بقضية شحنة المتفجرات التي ضبطتها الأجهزة الأمنية مؤخراً، والتي أقرّ حزب الله بملكيّتها، بوصفها مثالاً على الخلاف القائم حول السلاح. ويرى أنّ الحكومة لا تستطيع ضمان تسليم الحزب سلاحه، جزئياً أو كلياً، رغم أنّ ذلك يشكّل أولوية إسرائيلية.
وفي تقديره، يملك لبنان أوراق ضغط محدودة مقابل تفوّق إسرائيل الميداني. ويقدّر سكاف أنّ الوجود الإسرائيلي يشمل ما بين 5 و8 في المئة من مساحة لبنان، في نحو 70 بلدة جنوبية أو أكثر، متسائلاً عمّا يمكن لبيروت تقديمه مقابل الانسحاب، في ظل عدم قدرتها على ضمان نزع سلاح حزب الله. ويعتبر أنّ ورقة لبنان الأساسية تتمثل في الاستعداد لتهدئة طويلة الأمد، شرط الانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين إلى بلداتهم ومنازلهم وإعادة الإعمار.
أما اقتصار الوفد اللبناني على العسكريين، فيراه سكاف انعكاساً للطابع الأمني والعسكري للاجتماع، رغم أنّ جوهر الخلاف سياسي. ويشير إلى أنّ التنسيق عبر لجنة “الميكانيزم” لم يؤدِّ، بحسب تقييمه، إلى نتائج كافية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية. ولا يستبعد توسيع العمليات لتشمل النبطية أو صور، محذّراً من أنّ مؤشرات المرحلة ترجّح التصعيد على التهدئة، وأنّ تغيّر الحكومة الإسرائيلية، سواء بعودة بنيامين نتنياهو أو بوصول حكومة برئاسة غادي آيزنكوت، لا يضمن اعتماد سياسة أقلّ حدّة.
ويحذّر سكاف كذلك من تداعيات انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” في نهاية عام 2026. فدورها، بحسب قوله، لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يشمل التوثيق والحضور الدولي ومواكبة تنفيذ القرار 1701. ويرى أنّ غيابها من دون بديل يمتلك صلاحيات مماثلة قد يضعف الرقابة الدولية على ما يجري في الجنوب ويمنح إسرائيل أفضلية إضافية، معتبراً أنّ قوة أوروبية أو هيئة مراقبة أخرى لن تكون كافية إذا افتقرت إلى التفويض نفسه.
ويخلص سكاف إلى أنّ فرص التهدئة تبقى محدودة ما دامت إسرائيل تشترط نزع سلاح حزب الله، فيما لا تستطيع الدولة اللبنانية ضمان ذلك. وبناءً على قراءته للمؤشرات الحالية، يحذّر من احتمال اندلاع حرب إسرائيلية واسعة بدل الوصول إلى تسوية قريبة.
فهل تنجح مفاوضات تامبا في فتح الطريق أمام وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، أم أنّ تضارب الأولويات سيدفع لبنان نحو تصعيد جديد؟
