لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين “تيار المستقبل”.. انفتاح لن يكون على حساب “بيئته”!..

العقرب

في الأيام القليلة الماضية، برزت بعض المقالات والتحليلات التي تتناول الدور المقبل ل”تيار المستقبل”، بالتزامن مع مؤشرات توحي بتحضيرات لعودة محتملة إلى العمل السياسي. غير أنّ بعض هذه الطروحات يتجاوز قراءة احتمالات العودة إلى رسم أجندة مسبقة للتيار، عبر تحديد الأدوار التي يُفترض أن يتولّاها والمسار الذي ينبغي أن يسلكه، وفي مقدّمها دعوته إلى أن يكون عابرًا للطوائف ومنفتحًا على القوى الأخرى، وكأنّ هذا التوجّه لم يكن أساسًا في تجربته السياسية.

من الطبيعي أن تفتح احتمالات العودة نقاشًا حول تقييم التجربة والبحث عن دور يتناسب مع المرحلة. لكنّ الخلل يبدأ حين يُقدَّم العبور للطوائف بوصفه مهمّة جديدة أمام “المستقبل”، بدل مناقشة تجربته في هذا المجال، وما حقّقته وما رتّبته عليه من أثمان. فالتيار لم يبنِ خطابه على الانغلاق داخل بيئته السنية، بل جعل الانفتاح جزءًا من هويته، انعكس في تنوّع كوادره ومؤسساته وعلاقاته.

بل إنّ جانبًا من النقد الذي واجهه داخل بيئته انطلق من شعور معاكس: أنّ مراعاة الشركاء والتسويات الوطنية حظيت أحيانًا بأولوية على حساب مصالح قاعدته. وبصرف النظر عن حدود الاتفاق مع هذا التقييم، فإنّ تجاهله يُفرغ المراجعة من مضمونها، ويعيد مطالبة التيار بالمسار نفسه من دون مساءلة نتائجه أو مسؤولية الأطراف الأخرى فيه.
الا اذا كان المطلوب من وراء إصرار البعض على شعار “عابر الطوائف” تأمين وتوفير مصالح خاصة لشخصيات ومجموعات غير “سنيّة” كما جرى منذ العام 2005..

وهنا يبرز السؤال الذي تتجاوزه هذه الطروحات: هل قابلت القوى السياسية انفتاح “المستقبل” بإستعداد مماثل لتجاوز حساباتها الطائفية؟ فالعلاقة المتوازنة لا تُبنى على مبادرة طرف واحد، ولا يجوز أن يتحمّل طرف وحده كلفة التسويات، فيما يحتفظ شركاؤه بمكاسبها ويحصّنون مواقعهم داخل بيئاتهم.

كما أنّ تراجع حضور “تيار المستقبل” أظهر حجم الفراغ السياسي والتمثيلي داخل البيئة السنية، وطرح تساؤلات حول مدى اهتمام القوى الأخرى بإحتياجاتها.
ولو كان العكس هو الحاصل، بمعنى تعليق أحزاب أو تيارات مسيحية أو درزية أو شيعية عملها سياسي. فهل كان “المستقبل” ورئيسه وقيادته لتهمل احتياجات وبيئة ومصالح تلك المجموعات السياسية؟؟؟

لذلك، فإنّ أيّ مراجعة جدّية تقتضي إعادة وصل التيار بقاعدته، ومتابعة مصالح أبنائها وحقوقهم وحضورهم في مؤسسات الدولة، ضمن منطق المواطنة والمساواة. وهذا لا يناقض هويته الوطنية، بل يمنحها قاعدة أكثر تماسكًا واستمرارية.

أما الانفتاح على الأحزاب، فينبغي أن يستند إلى التزامات متبادلة واحترام مصالح الطرفين. ف”المستقبل” قوة سياسية لها جمهورها وأولوياتها، وليس جهة مطالبة بتقديم التنازلات باستمرار لإثبات اعتدالها. وإذا كان مطلوبًا منه أن يمدّ يده، فمن المشروع أن يسأل عمّن سيلاقي هذه اليد، وبأيّ مضمون سياسي؟!..

من هنا، لا تكمن المشكلة في مناقشة خيارات “المستقبل”، بل في اختزال مستقبله بدور يُرسم له او يفرض عليه من خارج محيطه لأهداف خاصة، تحت عنوان الحفاظ على انفتاحه. وأيّ عودة محتملة ينبغي أن تنطلق من مراجعة يصوغ التيار على أساسها أجندته بنفسه: حضور وطني جامع، وعلاقة راسخة ببيئته، وشراكات متكافئة. فالمطلوب ليس أن يصبح المستقبل عابرًا للطوائف فقط، بل أن يحافظ على هذا الخيار من دون أن يدفع ثمنه منفردًا. ولابدّ ان قيادة “المستقبل” تعي تمامًا الدور الذي يجب ان يُرسم للتيار على المستويين الداخلي والخارجي بعد مراجعة كاملة للسنوات الماضية بإنجازاتها وإخفاقاتها !!..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top