
بقلم جوزاف وهبه
كأنّ النشيد الوطني هو للتلامذة الصغار كي يصطفّوا صباحاً قبل دخول الصفوف، أو للإحتفالات التي تستدعي التغنّي بالوحدة والتآخي والشعب الواحد.كأنّ شعار “التعايش الوطني” لزوم ما لا يلزم كي تستحقّ مساحة ال 10452 كلم مربّع لقب “بلد” أو “وطن” تكون له مكانة في الإنتظام العالمي، أو مقعد في هذه المنظّمة الدوليّة أو تلك..كلّ ذلك (النشيد..والتعايش) يذوب في لحظة تصادم، ولو على مستوى تقديم وتأخير الساعة مثلاً، أو على صعيد توزيع “ثروة النفايات”، كما هو حاصل الآن في المشهد المحلّي!
في البدّاوي – شمال لبنان، تظاهرة حاشدة، شيباً وشبّاناً ونساءً – كما يُقال – اصطفّوا رافعين الصوت “البدّاوي ليست مكبّا للنفايات” لمجرّد أنّ بلديّة طرابلس قد ارتأت استعمال عقار تابع لها ويقع في محازاة البدّاوي، وتحوّلت المدينة المجاورة بأهلها ومسؤوليها إلى حالة من العداء بين المدينتين، تحت شعار:لكم زبالتكم..ولنا زبالتنا!
وهذا الإستنفار المناطقي غير المنطقي ليس جديداً على الشمال أو الجنوب أو كلّ ناحية لبنانيّة.العصبيّة غالباً ما تتفوّق على الإنتماء الوطني الواحد، بمعنى أنّنا في يوم واحد نغنّي صباحاً “بحبّك يا لبنان..” مع فيروز، ونتحوّل إلى “الأخوة الأعداء” قبل حلول المساء:ألم يحدث كذلك منذ عدّة سنوات حين طُرح مكبّ سرار في عكّار، فارتفعت الأصوات تنادي “لا لنفايات الآخرين” فوق أرضنا، وكأنّ هؤلاء “الآخرين” ينتمون إلى كوكب ثانٍ، أو في أحسن الأحوال، إلى بلد ثانٍ!
وحدث ما حدث حين وجد وزير البيئة فادي جريصاتي حلّاً لنفايات منطقة زغرتا الزاوية في إحدى فراغات جبل تربل، فهبّ أهالي المنية والجوار هبّة الرجل الواحد:لزغرتا مكبّها..ولنا مكبّنا، منعاً لما يشبه “التدنيس”، وهو من رجس الشيطان!
درجت منذ فترة “عادة” ربط بعض المواطنين على أعمدة الكهرباء (طبعاً بعد عقابهم بالضرب المبرح) بحجّة متاجرتهم بالمخدّرات وبيعها للشبّان والأولاد في الشوارع والحارات.مُفرحٌ أن يتحلّى المواطنون بحسّ المواطنيّة فيتشاركون مع الدولة في الحدّ من الجريمة والرذيلة، ولكن “هذا شيء”، والحلول محلّ القضاء وقوى الأمن وجهاز مكافحة المخدّرات “شيء آخر”:مَن أعطى هؤلاء “القبضايات” حقّ القبض والمحاكمة وإلصاق التهم وإصدار الحكم المبرم على “المشتبه به”؟ أوليس في ذلك نوع من الحكم الذاتي، الذي يمكن له أن يطال أوجهاً أخرى من حياة المواطنين، كما يمكن له أن يطال أبرياء، وهو ما تجلّى في ربط “سارق مفترض” على جذع شجرة، بانتظار وصول رجال الدرك، بمعنى الإنتقال من “المحببجيّة” إلى “الحراميّة”.. واللائحة قد تطول؟ فما الذي يمنع أيّ مجموعة – في القريب العاجل – في حيّ من الأحياء الشعبيّة أن تلقي القبض على فلان أو علتان، لمجرّد الشكّ، أو لتصفية حسابات شخصيّة، ليس إلّا!.. الدولة تتصرّف بحياد تامّ حيال هذه الظاهرة التي يمكن لها أن تتمدّد، وتتحوّل إلى حالة متفاقمة خطيرة.. فهل يعي النوّاب والأجهزة الأمنيّة خطورة ما يجري، فيتصرّفون – ولو لمرّة واحدة – قبل فوات الأوان، خاصّة وأنّ ذلك يترافق مع عمليّات إطلاق رصاص شبه يوميّة “على الأرجل”، يُقال أنّ معظمها يرتبط بالصراع ما بين تجّار المخدّرات !؟
حالة ثالثة (لا أخيرة..):ما أن ارتفعت وتيرة الصراع السياسي الداخلي حول “إحالة أو عدم إحالة” قضيّة متفجّرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، حتّى قام أحد الأجهزة الأمنيّة بالكشف عن اعتقال “داعشي” في منطقة أبي سمراء، ومصادرة كمّية من الأسلحة والمتفجّرات، من بينها مادّة “سي فور”، التي ضُبطت شحنة منها تابعة للحزب، والتي طالما ارتبطت بالإغتيالات في لبنان: هل هي مجرّد “مصادفة”، أو يجوز الربط ما بين الحدث المستجدّ، وبين ما كشفه قائد القوّات اللبنانيّة سمير جعجع، في برنامج “صار الوقت” مع مرسال غانم، بأنّ “أحد الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة لا يزال يرفع بالتوازي ثلاثة تقارير أمنيّة يوميّة، الأوّل لرئاسة الجمهوريّة، والثاني لرئاسة الحكومة، والثالث – وهنا المفاجأة – لقيادة حزب الله”!!
“فسيفساء” لبنان لا تزال تطلّ بأشكال مختلفة، بما يترك الوضع الداخلي في صيغة مستمرّة من الهشاشة والشلل واللاثقة، وبما يُبقي كلمات زيّاد الرحباني “نحن قرطة عالم مجموعين..” حيّة فينا، في يومياّتنا..وفي مستقبلنا أقلّه القريب، إن لم نقل والبعيد أيضاً وأيضاً!
