
بقلم الدكتور نواف كبارة
ليست أزمة طرابلس في فقرها، ولا في نقص إمكاناتها، ولا حتى في غياب المشاريع والفرص الاقتصادية عنها. إن أزمة طرابلس الحقيقية تكمن في أن أهلها فقدوا، تدريجياً، قدرتهم على التحكم بمصير مدينتهم، وتركوا القرار المتعلق بحاضرها ومستقبلها في أيدي قوى سياسية واجتماعية اعتادت أن تتحدث باسمهم من دون أن تكون خاضعة لمحاسبتهم.
لقد تحوّلت طرابلس، على مدى عقود، من مدينة تصنع دورها الاقتصادي والثقافي والسياسي إلى مدينة تنتظر ما يقرره الآخرون لها. تنتظر الدولة لتمنحها مشروعاً، والزعيم ليقدم لها خدمة، والنائب ليتوسط لها، والجهات المانحة لتموّل بعض احتياجاتها. وهكذا أصبح الانتظار بديلاً عن المبادرة، والشكوى بديلاً عن الفعل، والولاء للأشخاص بديلاً عن الانتماء إلى المدينة.
إن ما تحتاجه طرابلس اليوم ليس مجرد مشروع إنمائي جديد، بل عودة الوعي إلى أهلها، وعيهم بأن المدينة مدينتهم، وأن مستقبلها يجب أن يكون بأيديهم.
أولاً: طرابلس ليست مدينة فقيرة بل مدينة أُفقرت
تمتلك طرابلس مقومات اقتصادية لا تتوافر لكثير من المدن اللبنانية: موقعاً استراتيجياً على المتوسط، ومرفأً، ومعرضاً دولياً صممه أحد أبرز معماريي العالم، وأسواقاً تاريخية، وقلعة، وتراثاً عمرانياً غنياً، ومؤسسات تعليمية، وطاقات بشرية شابة.
ومع ذلك، تعيش المدينة أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة.
لماذا؟
لأن هذه الإمكانات لم تتحول إلى مشروع اقتصادي متكامل. ولأن المدينة افتقرت إلى رؤية تجمع بين تنظيمها العمراني، وتنشيط اقتصادها، وتطوير خدماتها، واستثمار مواردها.
لقد اعتدنا أن نتحدث عن فقر طرابلس، لكننا نادراً ما نتحدث عن الفرص التي نهدرها يومياً.
إن إعادة تنظيم السير، وتأهيل الأرصفة، وتنشيط الأسواق، وتطوير النقل العام، والاستفادة من معرض رشيد كرامي الدولي، وتحويل المدينة القديمة إلى مركز سياحي وثقافي، ليست مجرد مشاريع تجميلية، بل استثمارات اقتصادية قادرة على خلق فرص عمل وتحريك الأسواق وجذب الاستثمارات.
ثانيًا: لا تنمية من دون سلطة فعلية لأهل المدينة
لا يكفي أن نطالب الدولة بالاهتمام بطرابلس. علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا نستطيع أن نفعل نحن؟
إن المدينة التي تنتظر كل شيء من السلطة المركزية تبقى رهينة أولويات الآخرين.
لذلك، يجب أن ننتقل من المطالبة بالخدمات إلى المطالبة بالقدرة على اتخاذ القرار.
وهنا تبرز أهمية اللامركزية التنموية الواسعة، التي تمنح المدن سلطة فعلية في إدارة مواردها وتحديد أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية.
لكن اللامركزية وحدها لا تكفي إذا بقي القرار المحلي محتَكَراً من القوى التقليدية نفسها.
المطلوب ليس نقل السلطة من زعيم في بيروت إلى زعيم في طرابلس، بل نقل السلطة إلى أهل طرابلس أنفسهم.
وهذا يعني إشراك المواطنين، والجامعات، والنقابات، والجمعيات، وأصحاب المؤسسات الاقتصادية، والشباب والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة، في تحديد أولويات المدينة ومراقبة تنفيذها.
ثالثاً: من الزعامة إلى المسؤولية الجماعية
لقد دفعت طرابلس ثمناً باهظاً لثقافة الوجاهة السياسية والاجتماعية، حيث تقاس أهمية الأشخاص بمواقعهم وعلاقاتهم ونفوذهم، لا بما يقدمونه من إنجازات للمدينة.
ليس المطلوب إلغاء دور القيادات السياسية، بل إعادة تعريف هذا الدور.
فالقيادة الحقيقية ليست القدرة على جمع الأنصار، بل القدرة على بناء المؤسسات. وليست توزيع المساعدات، بل خلق الفرص. وليست التحدث باسم الناس، بل تمكين الناس من التعبير عن مصالحهم واتخاذ قراراتهم.
إن طرابلس لا تحتاج إلى زعيم جديد يعدها بالخلاص، بل إلى مجتمع يستعيد ثقته بنفسه وقدرته على الفعل.
رابعاً: نحو حركة مدنية لعودة الوعي
إن عودة الوعي لا يمكن أن تبقى شعاراً عاطفياً. يجب أن تتحول إلى حركة مدنية سلمية ومنظمة تقوم على مبادئ واضحة:
المدينة لأهلها: لا يحق لأي قوة سياسية أو اقتصادية احتكار القرار المتعلق بمستقبلها.
المحاسبة قبل الولاء: يُقيَّم المسؤولون بما يحققونه، لا بانتماءاتهم العائلية أو السياسية.
التنمية مسؤولية مشتركة: يشارك المواطنون والمؤسسات والقطاع الخاص والبلدية في بناء المدينة.
الشفافية حق عام: يجب أن يعرف المواطن كيف تُنفق الأموال العامة، وما هي المشاريع المطروحة، ومن المسؤول عن تنفيذها.
المشاركة حق للجميع: لا يجوز أن يبقى الشباب والنساء والفئات المهمشة خارج دوائر القرار.
الاقتصاد أساس النهوض: يجب الانتقال من اقتصاد المساعدات والزبائنية إلى اقتصاد الإنتاج والاستثمار والعمل.
ويمكن أن تبدأ هذه الحركة بتشكيل منتديات مفتوحة في أحياء طرابلس، تناقش المشكلات وتقترح الحلول، وتراقب أداء المؤسسات المحلية، وتضع تصوراً مشتركاً لمستقبل المدينة.
خامساً: طرابلس التي نريد
لا نريد طرابلس مدينة تعيش على ذكريات مجدها السابق، ولا مدينة تستجدي اهتمام الدولة، ولا مدينة تختصر صورتها بالفقر والحرمان.
نريد طرابلس مدينة منتجة، منظمة، نظيفة، آمنة، منفتحة، قادرة على جذب الاستثمار، وعلى توفير حياة كريمة لأبنائها.
نريد مدينة تصبح فيها الشوارع والأرصفة والنقل العام والحدائق والأسواق والمرافق الثقافية جزءاً من مشروع اقتصادي واجتماعي متكامل.
نريد مدينة يستطيع أبناؤها أن يختلفوا سياسياً ودينياً واجتماعياً، لكنهم يتفقون على أن مصلحة طرابلس تعلو على مصالحهم الضيقة.
والأهم، نريد مدينة لا يشعر أبناؤها بأنهم مجرد سكان فيها، بل شركاء في إدارتها وصناعة مستقبلها.
أخيراً: عودة الوعي هي بداية التغيير
لن تتغير طرابلس بمجرد تغيير مسؤوليها، أو انتخاب نواب جدد، أو الحصول على تمويل لمشروع هنا أو هناك.
قد تكون هذه خطوات مفيدة، لكنها لن تصنع التحول المطلوب ما لم يتغير وعي الناس بعلاقتهم بمدينتهم.
إن أخطر ما أصاب طرابلس ليس تراجع اقتصادها، بل تراجع شعور أهلها بأنهم قادرون على تغيير واقعها.
ولهذا فإن معركة طرابلس الحقيقية اليوم هي معركة استعادة الإرادة الجماعية.
فلنتوقف عن السؤال: ماذا سيفعل الآخرون من أجل طرابلس؟ ولنبدأ بالسؤال: ماذا سنفعل نحن من أجل مدينتنا؟
عندما يستعيد أهل طرابلس حقهم في القرار، وعندما يصبح الانتماء إلى المدينة أقوى من الولاء للأشخاص، وعندما تتحول الشكوى إلى مبادرة والمطالبة إلى مشاركة، عندها فقط تبدأ النهضة الحقيقية.
عودة الوعي تعني أن ننتقل من مدينة يتحكم الآخرون بمصيرها، إلى مدينة يتحكم أهلها بمستقبلها.
طرابلس لنا جميعاً، ومستقبلها مسؤوليتنا جميعاً.
