
بقلم إحسان الطبش
من لبنان إلى مصر وتونس وسائر الدول العربية، يتكرّر المشهد نفسه: فتيات يفتحن بثوثاً مباشرة على منصة “تيك توك” لساعات طويلة، تمتدّ أحياناً من منتصف الليل حتى الفجر، من دون محتوى واضح أو نشاط محدّد. جلوس أمام الكاميرا، موسيقى في الخلفية، وأحاديث عابرة مع متابعين يعودون إلى البثّ مرة بعد أخرى.
لم تعد المسألة مجرّد حالات فردية يمكن تجاهلها، بل ظاهرة تستحقّ التوقّف عندها، خصوصاً مع تكرار هذا المشهد في بلدان عربية مختلفة، وبروز الفتيات فيه بصورة لافتة. وكأنّنا أمام وباء رقمي يتمدّد بصمت، لا يقتصر على لبنان، بل يطرح أسئلة تتعلّق بشباب العالم العربي، ولا سيّما فتياته: ما الذي يدفعهن إلى قضاء ساعات طويلة أمام الشاشة؟ وماذا يبحثن عنه في هذا الحضور المتواصل؟
قد يكون المال أحد الدوافع. فالهدايا الرقمية التي يرسلها المتابعون خلال البثّ المباشر يمكن أن تتحوّل إلى مصدر دخل، وفق آليات المنصة وشروطها. وفي ظلّ الأزمات الاقتصادية، وارتفاع البطالة وصعوبة إيجاد فرص عمل مناسبة، قد يبدو هذا الطريق لبعض المستخدمين فرصة بديلة لكسب المال. لكن اختزال الظاهرة في الجانب المالي وحده قد يحجب أسباباً أخرى لا تقلّ أهمية.
فالشهرة نفسها قد تكون حافزاً. حين يتكرّر ظهور شخص يومياً ولساعات طويلة، تتكوّن حوله دائرة من المتابعين، ويصبح اسمه ووجهه مألوفَين لدى الجمهور. ومع الوقت، قد يحظى بمتابعة واسعة تجعله أكثر حضوراً في الفضاء الرقمي من شخصيات تعمل في الإعلام منذ سنوات. وهنا تبرز مفارقة تستحقّ النقاش: كيف يمكن لشخص يفتح بثًّا مباشراً من دون مضمون واضح أن يجذب آلاف المتابعين، فيما يحتاج صحافي أو إعلامي إلى جهد وخبرة ومحتوى متخصّص لبناء جمهوره؟
المشكلة ليست في مقارنة المهن أو التقليل من قيمة التواصل والترفيه، بل في السؤال عن المعايير التي تصنع الشهرة اليوم. هل أصبح الاستمرار أمام الكاميرا كافياً لصناعة حضور جماهيري؟ وهل بات عدد المتابعين مقياساً للنجاح، بصرف النظر عمّا يُقدَّم لهم؟
ولا يمكن وضع جميع صانعات المحتوى في خانة واحدة، أو افتراض أن كل من تظهر في بثّ مباشر تبحث عن المال أو الشهرة. فالمحتوى الرقمي متنوّع، ودوافع مستخدميه مختلفة. لكن انتشار هذا النمط يستدعي فهماً أعمق: ما الذي يجعل البثوث الطويلة جذّابة؟ ما دور آليات المنصات في إبقاء الجمهور متفاعلاً؟ وهل تمنح هذه المساحة شعوراً بالانتماء والاهتمام لا يجده بعض المستخدمين في حياتهم اليومية؟
كذلك، فإنّ ما يظهر أحيانًا من تجاوزات أو انتهاكات للخصوصية في بعض البثوث يفتح ملفاً آخر يتعلّق بحدود عرض الحياة الشخصية والعائلية أمام جمهور واسع، وبمدى الوعي بمخاطر تحويل اللحظات الخاصة إلى مادة متاحة للمتابعة والتداول.
لا يكفي أن نسخر من الظاهرة أو نُدين الفتيات اللواتي يشاركن فيها، كما لا يجوز أن نعتبر كل بثّ مباشر مشكلة بحدّ ذاته. المطلوب هو فهم ما يجري، والتحقّق من حجم الظاهرة وأسبابها، ومناقشة تأثيرها على مفهوم العمل والطموح والنجاح لدى الجيل الجديد.
فحين يصبح الظهور اليومي طريقاً محتملاً إلى المال والشهرة، وحين تتقدّم أرقام المتابعة أحيانًا على قيمة المحتوى، لا يعود السؤال محصوراً بما يحدث على منصة “تيك توك”، بل بما يحدث في مجتمعنا نفسه.
هل نحن أمام وسيلة جديدة للتواصل والعمل، أم أمام ثقافة شهرة سريعة تستحقّ أن نتوقّف عندها قبل أن تصبح معياراً جديداً للنجاح في العالم العربي؟
