حين تحاكم الصناديق كلفة الحرب:لعنة النصفية تطارد ترامب

بقلم الياس عيسى الياس

عشية الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، لا تبدو لوحات الأسعار في محطات الوقود بولايات متأرجحة مثل بنسلفانيا وويسكونسن مجرد أرقام عابرة، بل هي العداد الحقيقي لغضب الناخب الأميركي. فالمتوسط الوطني لسعر غالون البنزين يقارب 4.3 دولار.

ولهذا لم تعد الانتخابات النصفية سباقاً برلمانياً تقليدياً، بل محاكمة شعبية لسياسات الإدارة وكلفة المعيشة، يتوجه فيها أكثر من مئة مليون ناخب إلى صناديق الاقتراع.

واللعنة التي تلاحق حزب الرئيس منذ عقود ليست قدراً محتوماً، لكن الحرب الطويلة وغلاء الأسعار يجعلان كسرها اليوم شبه مستحيل.

ففي التاريخ الحديث قاعدة شبه ثابتة: حزب الرئيس يخسر في منتصف الولاية. ومنذ ثلاثينيات القرن الماضي لم يتجنب هذا المصير في مجلس النواب إلا ثلاث مرات: مع فرانكلين روزفلت عام 1934، وبيل كلينتون عام 1998، وجورج بوش الابن عام 2002 في ظل أجواء ما بعد الحادي عشر من أيلول.

واليوم يتراجع الرضا عن أداء دونالد ترامب إلى نحو 32 في المئة في أحدث استطلاعات رويترز وإبسوس، وإلى نحو 35 في المئة في متوسط الاستطلاعات. ويسعى الجمهوريون إلى تكرار الاستثناء، غير أن الأرقام المعيشية لا تسعفهم.

فقد ارتفع التضخم السنوي إلى 3.7 في المئة في أيلول/سبتمبر 2026، بحسب مكتب إحصاءات العمل، مدفوعاً بزيادة سنوية في أسعار البنزين تفوق 34 في المئة. وتضررت الطبقتان الوسطى والفقيرة من ارتفاع كلفة السكن والرعاية الصحية. وبات نصف الناخبين تقريباً يعدّون الاقتصاد والمعيشة قضيتهم الحاسمة، أياً كانت انتماءاتهم.

غير أن الحزب الحاكم لا يستسلم بسهولة. فالجمهوريون يراهنون على قوة الخريطة الانتخابية في معاقلهم التقليدية، وعلى تعبئة القاعدة الشعبوية بقضايا أمن الحدود والضرائب، ويحذرون من أن سيطرة المعارضة ستعطل النمو وتدخل البلاد في شلل سياسي. لكن هذه الحجج تصطدم بصعوبة إقناع الناخب المستقل الذي يثقله ثمن الطاقة والمعيشة.

ولا يقف الأمر عند الاقتصاد الداخلي. فعملية «الغضب الملحمي» (Epic Fury) التي أطلقتها واشنطن ضد إيران في 28 شباط/فبراير 2026، واضطرابات مضيق هرمز التي تلتها، أحدثتا اضطراباً حاداً في سلاسل الإمداد.

وارتفعت الكلفة العسكرية المباشرة للعمليات إلى نحو 38 مليار دولار حتى مطلع آب/أغسطس، بحسب تقدير مكتب الميزانية في الكونغرس، وهو حدّ أدنى رسمي لا يشمل ترميم القواعد ولا الأثر الاقتصادي غير المباشر، فيما تتحدث تقديرات مستقلة عن أرقام تتجاوز المئة مليار دولار.

وهكذا تحولت الحرب، عبر قفزات الوقود، من ورقة قوة إلى عبء مباشر على جيب المواطن. وقد أحسن الديمقراطيون توظيف ذلك، فقدموا الانتخابات استفتاءً على كلفة سياسات الإدارة.

على أن الاستطلاعات لا تحسم النتائج، وقد أخطأت من قبل كما حدث في انتخابات 2016. لذلك يبقى الحديث عن الأرجح لا عن المؤكد.

والأرجح أن يخسر الجمهوريون مجلس النواب ويحتفظوا بهامش ضيق في الشيوخ، حيث يملكون 53 مقعداً مقابل 47، ويحتاج الديمقراطيون إلى قلب مقعدين على الأقل في ولايات صعبة.

وفي الداخل، يعني ذلك أن يملك الديمقراطيون مفاتيح لجان النواب لفتح تحقيقات واسعة، وأن تدخل واشنطن مرحلة جمود تشريعي عميق لا يكسره سوى حق النقض (الفيتو) الرئاسي.

وفي الخارج، سيحصل الديمقراطيون على أدوات رقابية ومالية للتدقيق في تمويل العمليات ضد طهران، وللتأثير في مسار المفاوضات الإقليمية وملفات العقوبات.

ويعني هذا كله العواصم العربية، وفي مقدمتها بيروت، حيث ينتظر الجيش والمؤسسات الأمنية ما سيقرّه الكونغرس الجديد من أولويات ومخصصات للدعم العسكري. وهو ما يحدد في جانب كبير منه حجم المساعدات الأميركية، واستقرار المؤسسات اللبنانية وسط رياح الإقليم.

وفي النهاية، تختصر الخلاصة حقيقة بسيطة: الحرب التي لا تُدفع كلفتها في ساحة المعركة، تُدفع في محطة الوقود.

وحين يحاكم الناخب الأميركي أصحابها، فلن يسأل عن مجد المغامرات الخارجية قدر ما يسأل عن ثمن الوقود.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top