بقلم خالد صالح
كـ “العادة” وبكلمتين فقط، سَخِرَ الرئيس سعد الحريري من “الإشاعة” التي طاولت وضعه الصحّي فقال “سامحهم الله”، ثم بكلمتين نسف مضمونها “أنا بخير” ..
لم تكن هذه المرة الأولى ولن تكونَ الأخيرة، التي يتعرّض فيها الرئيس الحريري ومعه “تيار المستقبل” لموجة من الإشاعات، ولم يكن الأسلوب المعتمد في نفيها مغايرًا عن النمط الذي يستخدمه “المستقبل” ورئيسه في النفي أو تكذيب مضمونها، من دون اللجوء إلى سجالات عقيمة لا تغني ولا تسمن من جوع، ورغم ذلك مازالت “الإشاعات” تخرج بـ “قرونها” كلما جدّ جديد على الساحة المحلية .
“الكلمة مسؤولية” لا بدّ أن نعي كيف نتعاملُ معها، فربّ كلمةٍ نابية أدت الى خصومة، وربّ كلمة جافية فرّقت شمل أسرة، وربّ كلمة طاغية أخرجت الإنسان من دينه – والعياذ بالله – ولكن ربّ كلمة حانية أنقذت حياة، وربّ كلمة طيبة جمعت شملًا، ولأهمية الكلمة وأثرها، قال رسول الله في الحديث الشريف: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت”.
توقيت مشبوه
يقول المثل الشعبي “كتر الدق بيفك اللحام”، مثل بسيط جدًا لكنه يحملُ في طيّاته تصوّرًا عمّا نشهده منذ الـ 2005 وحتى اليوم، فما يتعرّض له “تيار المستقبل” من استهدافات سواء في السياسة والأمن والإعلام والإشاعات يستهدف “فك اللحام” المتين والمتماسك بين القيادة والقاعدة، هذا “اللحام” الذي بقي قويًا بالرغم من “الدق” الكثير والقوي الذي تعرّض له..
إذ ليس مستغربًا أن تظهر الإشاعة الأخيرة قبيل “لقاء معراب” الأخير، وكأن في مضمونها رسائل في أكثر من اتجاه، بأن زمن “سعد الحريري” قد ولّى إلى غير رجعة، وأن أيّ حراكٍ وطني سيكون تحت عباءة “القوات اللبنانية”، وأن زعامة “سعد الحريري” لقوى 14 آذار باتت في غياهب التاريخ، وعلى قواعده، التنظيمية والجماهيرية، البحث عن قيادة أخرى تتناسب مع التطلعات التي يريدها سيّد معراب.
إن “حالنا” في كثير من الوجوه “مريض”، لان الكثير منا إذا تكلّم لا يتكلم إلا في سوء، لا يتكلم إلا في اللغو والزور، لا يتكلم إلّا في الكذب والنفاق والتملّق، لا يتكلم إلّا مغتابًا أو نمّامًا أو همّازًا أو لمّازا، أو داعيًا إلى فتنة وشقاق أو بغضاء، ولا يسكتُ حين يسكتُ إلّا عن الخير، يسكتُ عن المنكر، يسكتُ عن الشرّ، يسكتُ عن الظلم والآثام، وعن البغي والانحراف والفساد، والبدع والفجور، وما قويت واشتد عودها إلّا حين سكت أهل الاصلاح، وأخرس صوت الحق.
الصاع صاعان
أمام هذا الاستمرار في “تفريخ” الإشاعات، حول المستقبل ورئيسه، ولا رادع لها، لاسياسيًا ولا أخلاقيًا، بات من المفترض أن يبدأ “تيار الاعتدال” بإتباع أنماط جديدة في التعاطي مع الواقع السياسي القائم في البلاد، فإن كان طوال تسع عشرة سنة يستخدم أسلوب “الدفاع” فقط لأنه شديد الحرص على وحدتنا الداخلية، أصبح من الواجب أن يبدأ بـ ” الهجوم”، لأنه ووفق القاعدة الكروية المعروفة “خير وسيلة للدفاع هي الهجوم”..
صحيح أن “تيار المستقبل” ملتزم بـ “قرار تعليق العمل السياسي التقليدي”، وضع ألف خط تحت كلمة “تقليدي”، إلا أن الأمور زادت عن الحدّ المقبول “وكل شي زاد بالمعنى نقص”، وهذا التعليق الطوعي حكمًا لا يشمل التعاطي مع الواقع اللبناني القائم وأزماته المستعصية، فـ “المستقبل” له حيثياته الكبيرة، وله دوره الريادي على المستوى الوطني، وما عاد من الجائز الركون جانبًا يلعب دور “المتفرج” على المدرجات.
أصبح من الضروري أن يخرج للعلن بـ “مواقفه” من كل القضايا العالقة، ويضع النقاط على الحروف، من أزمة الفراغ في رئاسة الجمهورية، إلى الشلل الذي يضربُ مؤسّسات الدولة، إلى المهاترات التي يرتكبها الأفرقاء من دون أي إحساسٍ بالمسؤولية، إلى الواقع المعيشي المتردي، وصراعنا مع العدو الإسرائيلي، ويشرحُ وجهة نظره بوضوح منها، وأن لا يترك الساحة فارغة يملؤها القاصي والداني بأفكار وطروحات لا تمت لإنتمائنا اللبناني بصلة..
التمسّك بالوسطية
يقول “ابن المعتز”: “الحكمة شجرة تنبتُ في القلب وتثمر في اللسان”، وعلى هذا بات واجب “المستقبل” أن يعود لتأدية واجبه الوطني على أكمل وجه، فقد أثبتت السنوات الماضية، أنه لا يوجد في القوم “رجلٌ رشيد” يحمل على عاتقه مهمة الإنقاذ، وأنه بغياب “الحريري” باتت كل الزوايا حادة، واستعاد لبنان “لغات” مختلفة كنا نعتقد أن الزمن طواها، ولاسبيل إلا بتصويب “البوصلة” من جديد لنزع الألغام المزروعة في طريق خلاصنا، ونحتاج إلى “فدائي” حقيقي لنزعها .
أيضًا في الحديث النبوي الشريف: “لايستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولايستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه”، ولأن إعوجاج الظل سيظل قائمًا مادام العود أعوجًا، لا يقتصر دور “المستقبل” على التصدي للإشاعات التي تُطلق في أوساطنا، إشاعات مقصودة عن عمد، ولها خلف الأكمة ما وراءها، ومخاطرها تتعاظم لما لها من أثر بليغ في ترويجها، بل صار لزامًا على تيار “الوسطية” أن يعودَ لملء المساحة التي خلّفها “تعليق العمل السياسي”، لأن لا بناء لهذا الوطن إلا من خلال التمسّك بوحدتنا وبقدسية وطننا..
صار لزامًا على “المستقبل” أن يستعيد “حصانته” و “حضانته”، حصانته في وجه أسلحة الإشاعات الفتاكة والمدمرة، وحضانته للمسؤولية الوطنية ورسالتها العظيمة، والتي قدّم من خلالها أرقى أنموذج للتعاون بين مكونات البلاد، وإغلاق الباب أمام مطلقي الإشاعات نهائيًا، بل و “لجم” مطلقيها بالوسائل المتاحة، والانتقال عمليًا من “الدفاع” إلى “الهجوم”..

