بقلم خالد صالح
يُحكى أن طبيبًا كتبَ لأحد المرضى “وصفة” طبية لبعض الأدوية، وأرشده إلى “صيدلية” معينة ليجلب منها الدواء والعودة إليه ليشرح له كيفية استخدام الدواء ..
كان المريض على شيء من الفطنة فقصد “صيدلية” أخرى واشترى منها الدواء وعاد إلى الطبيب الذي بمجرّد أن رأى “كيس الدواء” نَهَرَ المريض وأصرّ على الذهاب للصيدلية التي دلّه عليها رغم أن الدواء هو نفسه ومن المصدر عينه .
ذهب المريض إلى “الصيدلية” وطلب من العامل “كيسًا” فارغًا وقفل عائدًا للطبيب، وفي الطريق أخرج الأدوية من الكيس الأول ووضعها في الكيس الثاني، وعندما لمح الطبيب اسم الصيدلية على الكيس قال للمريض الآن يمكننا البدء بشرح طريقة العلاج .
نظر المريض إليه وقال له، أقسم أن الدواء هو نفسه الذي اشتريته في المرة الأولى، فقط قمت بتبديل “الكيس”، ويبدو أن تبديل الشعار جعلك تُبدّل نظرتك، لأن المهم عندك الاسم لا الدواء .
المعارضة للمعارضة
يبدو أن التخبّط الذي يحكم أداء ما يُسمّى بـ “المعارضة” بدأ يتحوّل إلى “سمة” ملازمة لأدائها، فهي لم تنجح حتى اللحظة في بلورة مشروع سياسي تُقدّمه للبنانيين، ومن يُراقب المشهد السياسي الداخلي، يُلاحظ أن هناك الكثير من “المبادرات” والقليل من الفعالية أو الانتاجية، وجل ما تفعله “المعارضة” تبديل “الكيس” والإبقاء على التخبًط الذي تعيشه، بصورة باتت معروفة للجميع بأن كل ما تفعله “حركة بلا بركة” .
وسط تبخّر كلّ الايجابيات المعوّل عليها من٧ سفراء اللجنة الخماسية، تعيشُ المعارضة واقعًا مأزومًا وضياعًا كبيرًا ولم تعد تملك أيّ قدرة لإحداث خرق في جدار الأزمة وإخراج البلاد من عنق الزجاجة، وصار أداؤها شكليًا، ومبادرتها الأخيرة ليست إلّا “محاولة” لإظهار إيجابيتها من خلال حراكها لوضع حدًّ للشغور الرئاسي، وصار “اللعب على الكلام” أكبر مطالبها، فهي ترفض “الحوار” وتقبل بـ “التشاور”، بما يُوحي بفقدانها دفّة المبادرة الحقيقية، لأنها تعارضُ للمعارضة فقط وليس للخروج من النفق الذي نقبع فيه .
وضعت “المعارضة” هدفًا واحدًا لها، منع وصول سليمان فرنجية إلى قصر بعبدا، من دون أن تبحث بعمق عن البدائل، بحيث باتَ هذا الهدف هو محور حراكها، تُبدّل “الأكياس – المبادرات”، وتحافظ على “الدواء – الهدف” بأسلوبٍ سمج وسطحي، وتجترُّ بياناتها كمقولةِ المثل الشعبي “علاك مصدّي”، بينما محور الممانعة لايزال متمسكًا بدعمه لفرنجية، ومتمسكًا بـ “ضرورة الحوار” لإيجاد خارطة طريق لوضع نهاية مرضية للجميع للشغور الرئاسي .
رهانات خارجية
لاتزال “المعارضة” تعوّل على “خرقٍ” ما يُحققه الحراك الدولي، رغم أن المؤشرات الحالية لا توحي بأي إيجابية، فالاستحقاق الرئاسي بات مرتبطًا بشكل وثيق بـ “التسوية الكبرى” المنتظرة في المنطقة، والتي كلّما طالت، طال معها مسار الجلجة اللبنانية، فالنتائج غير مضمونة طبقًا لرؤيتها لاسيما إن حصل “حزب الله” – كما هو متوقع – على دور كبير في تفاصيل التسوية، إذ بدأت المعارضة تستشعر خطر الوصول إلى حائط مسدود .
سقوط “المعارضة” في مأزق الرهانات الخارجية، وإحساسها بالخطر الشديد على موقعها السياسي في مسار أي مفاوضات أو تسويات، دفعها لأبدال “أكياس” كتلة الاعتدال واللقاء الديموقراطي والتيار الوطني الحر بـ “كيس” يتناسب ومفهومها، لكن “محتوى المبادرة” هو ذاته، في مؤشّر لعدم امتلاكها لأي رؤية تضعها أمام اللبنانيين، أيضا رسالة “فارغة” المضمون لجمهورها بأنها لاتزال موجودة وفاعلة وبوسعها وضع العصي في الدواليب، رغم أن الجميع يدرك أن مبادرة المعارضة “ولدت ميتة” ..
برّي سيّد المجلس
أكثر الهرطقات التي أثيرت في الآونة الأخيرة بأن “نبيه برّي” هو رئيس لمجلس النواب وليس “رئيسًا” للنواب، وتمسّكت المعارضة بهذه “الحجة” الواهنة لتوحي لمناصريها بمقدرتها على الرفض، فمبدأ “التشاور” الذي تنادي به على هامش جلسة مفتوحة وبدورات متوالية، قد يضع المجلس النيابي في خانة “الشلل التشريعي”، وهو ما يُدركه الرئيس برّي جيدًا، ويرفض تعطيل دوره التشريعي خصوصًا أن المجلس النيابي هو المؤسسة التي لاتزال تحافظ على شرعيتها كاملة من دون نقصان .
لم تنجح “المعارضة” في مسعاها لضرب مفهوم “الحوار” وبدا التلاعب بالمفردات مكشوفًا ومؤشرًا على عجزها في تقديم مشروع سياسي يسير بالبلاد نحو الخروج من شغورها الرئاسي، وتمسّكها بـ “الشكليات الدستورية” حيث لا نملك ترف الوقت، يزيد من تخبّطها وارباكها مهما حاولت إظهار العكس، لأنها تدرك جيدًا أن “النزول عن الشجرة” هذه المرة سيكون مكلفًا لها، على الأقل شعبيًا، وسيظهر الرئيس بري بصورة الرجل الذي لا يمكن تجاوزه على الاطلاق .
من هنا يبدو أن الفجوات ما زالت كبيرة وشاسعة والمواقف على حالها بين الكتل النيابية خصوصًا تكتل “المعارضة”، ومن المرجح أن تستمر حالة الجمود والمراوحة، لأن “الطبخة الاقليمية” لم تنضج بعد ولم تتضح معالمها وتفاصيلها، لأن الشيطان يكمن في التفاصيل، وعلى ما ستتضمنه يبنى المقتضى، وحتى ذلك الوقت مهمة المعارضة مجتمعة “تلبيس طرابيش” ..

