كتاب مفتوح للشيخ بهاء الحريري : كان غيرك أشطر !!

بقلم خالد صالح

حضرة الشيخ بهاء الدين رفيق الحريري المحترم
تابعتُ خلال الأسبوعين الماضيين لقاءاتكم من بيروت إلى طرابلس والشمال وصولًا إلى البقاع، وقبل أن تستكمل جولاتكم ولقاءاتكم، أحببتُ أن أخاطبكم عبر “كتاب مفتوح”، ربّما لن تمرّ عليه لكنها كلمة حقٍّ يجب أن تقال، فالوجع الذي شعرتُ به يُقارب ذلك الذي نعيشه كلّ يوم منذ أن أصبحنا على ناصية الأحداث، نحاول العوم وسط تيارات تتقاذفنا يمينًا ويسارا ..
ويحقّ لي أن أسأل جانبكم الكريم، هل راقبتَ الوجوه التي التقيتَ بها جيدًا ؟، هل تأملت في عمق الدهشة المرسومة عليها ؟، أم أنكم كنتم مشغولين بتدوين الملاحظات على أجندتكم، والتي نعلمُ يقينًا أنها ستظلّ مرمية على سطورها ولن تخرجَ إلى العلن، تلك الدهشة ليست إعجابًا ولا تأييدًا، بل هي تساؤلات قرأتُها في العيون وأهمها : مَن هذا الرجل الذي نجلسُ أمامه كالصمّ في درس للموسيقى ؟، هل حقًا هذا ابن رفيق الحريري الذي لايزال يحتلّ القلوب والعقول والأفئدة ؟، من هذا الذي يُريد أن يقتحمَ السياسة في لبنان من بوابة عريضة لم تعد متاحة له ؟ ..
أخاطبكم بلا “عُقد”، فأنا على يقين أن “مساركم” نهايته حائط مسدود، وأن “الفورة الهشّة” التي أحدثتها إطلالتك غير الموفقة ستتلاشى كـ “فقاقيع الصابون”، وأن وعودكم عبارة عن زوبعة في فنجان، فـ “القصور السياسي” الذي يُغلّف حركتكم وطروحاتكم مآله الفشل، و “البروباغندا” التي أحطت نفسك بها ستتحوّل إلى محطات للتأكيد عمّا سبق من سقوط مريع، بدءًا من “سوا” وليس انتهاءً بـ “مسار” ..
لقد أظهرت تلك اللقاءات حجمَ الإحجام الشعبي عنك، ولم ينفع اسمك الثلاثي بوضع اللبنة الأولى في مدماك رؤيتك، فقد ظهرتَ ضعيفًا مهزوزًا فاقدًا للقراءة الدقيقة لواقع بلد شديد التعقيد، فقد أنصت الناس لك – على قلّتهم الذين التقوا بك – بدهشةٍ وأنت تتحدّثُ عن المشاريع الانمائية والخدماتية وعن التنمية المستدامة، وعن عزمك بافتتاح مكاتب لهذا الصدد في كلّ المناطق اللبنانية، متسائلين، هذا الرجل لا يعرف شيئًا عن لبنان .
شيخ بهاء :
ما تعتقده “فرصة ذهبية” بإمكانك الرهان عليها جرّاء تعليق شقيقك للعمل السياسي هو ضرب من الخيال (كان غيرك أشطر)، ليس لأن الوجدان اللبناني عمومًا و “السنّي” بالتحديد متعلّق ومتجذر بـ “السعد”، بل لأن “الكاريزما” التي رآها الناس فيك لا تمتّ بأيّ صلةٍ لتلك القامة الكبيرة التي خسرناها بجريمة العصر، وأولها الطيبة والانسانية والابتسامة النابعة من القلب من دون تكلّف، وثانيها أنك مختلف كلّيًا عن شقيقك، ولا يمكن لك مهما فعلت أن تحمل صفة “وجهان لعملة واحدة” ..
صحيح أن الساحة اللبنانية مفتوحة للجميع، وبوسعك الدخول إليها والانخراط في العمل السياسي كما تشاء، لكن سلكت “المسار” الخاطىء تمامًا، ولا تعتقدّن لوهلة أن رفعك لشعارات “خوض معركة استرداد الوطن واسترداد سيادة الوطن من محتليها، وتحذيرك أن أي تضليل أو تخويف من فراغ على مستوى أي مكون من مكونات المجتمع اللبناني يخدم فقط أعداء الوطن”، ستفتح لك الباب على مصراعيه، فهذه الشعارات عفّ عليها الزمن ولم تعد تؤت أُكلها، وأظهرتك بـ “الركيك” سياسيًا، و “الجاهل” بخبايا السياسة وتعقيداتها وتداخلاتها .
كنتُ أعتقد أن تجاربك السابقة منذ الـ 2017 وحتى اليوم، قد جعلت الصورة واضحة أمامك، وأن قضية “الزعامة” ليست في قلم وورقة تدوّن عليها مطالب الناس، وأن استكمال نهج الرئيس الشهيد رفيق الحريري لا يكون بهذه الكيفية، فليست هكذا تورد الإبل، استكمال !! بعد عشرين سنة ؟؟ يعني أن هناك من حافظ على هذا النهج، وأنت تريدُ استكماله، ومَن حافظ عليه طوال عقدين من الزمن هو الأحق بـ “الزعامة” وهو الأجدر بمتابعة المشوار نحو المستقبل من دون مسارات ملتوية من هنا ومن هناك .
شيخ بهاء :
لقد راهنت سابقًا على “ثورة 17 تشرين” وخذلوك، ووضعت “البيض كله” في سلة الانتخابات النيابية الأخيرة فصفعوك، فهم كلّهم يدركون أن الرئيس سعد الحريري هو “العمود الفقري” للحريرية الوطنية، وأنت بالنسبة لهم مجرّد “حصالة نقود – قجّة” من جهة، و “خنجر مسموم” يطعنون به ظهر أخيك بعدما سقطت كل محاولاتهم لشطبه من المعادلة، فوجدوا فيك ضالتهم، وبدأوا بـ “النفخ والتطبيل والتزمير” والاشادة بما تحمله من أفكار وهي لا تناسب بلدًا مثل لبنان، ولكن “نكاية بالطهارة” ..
إن تذكيرك الدائم بأنك “ابن رفيق الحريري” سلاحٌ لا يعوّل عليه في هذه المعركة، ولن تُحرز أي تقدّم يمكنك المراهنة عليه مستقبلًا، والأيام كفيلة بأن تُثبت هشاشة طروحاتك وعقم رؤيتك وفهمك للواقع اللبناني، و “صوتك – صوت بيروت انترناشيونال” والذي استعملته فقط للتصويب على شقيقك، سقط بالمفهوم الأخلاقي والتعاطي المهني، واليوم تطلّ من جديد تحمل مشروعًا سياسيًا لانزال ننتظر عناوينه وأبعاده، رغم معرفتنا التامة أنه لا مشروع ولا مَن يحزنون ..
كلمة أخيرة شيخ بهاء :
السياسة في لبنان لا يمكن اختصارها بـ “فن الممكن” ولا بـ “الغاية تبرر الوسيلة”، هذه الميكيافيللية لا تناسبك، وإن كنت تعتقد أن تعليق الرئيس سعد الحريري للعمل السياسي التقليدي فرصة مواتية لاختبار مدى تجاوب الناس، وأن الحديث الدائم عن مشروع رفيق الحريري الذي أتى به مطلع تسعينيات القرن الماضي، مصورًا نفسك وريثًا له، فشتّان بين الثرى والثريا، وتعويلك على بعض السقطات لشقيقك التي وقع بها “لأجل لبنان” ستمنحك رعاية شعبية فأنت واهم جدّا، لأنك تفتقد الآلية الواقعية لهذه الوكالة من الناس، ومن قّدم لك النصيحة وغرّر بك يعمل وفق قاعدة “بحاكيك يا كنة ت تسمعي يا جارة” الهدف من ذلك حرق المنظومة السياسية للحريرية الوطنية أولًا وللرئيس الحريري ثانيًا، ولمزيد من التشتت في أروقة الطائفة السنية أخيرا ..
لهذا كلّه، وهذا غيض من فيض، أمامك “مسار” واحد حقيقي وكامل البنيان، أن تركب الطائرة وتتجه نحو “أبو ظبي”، وتضع يدك بيد شقيقك فعلًا حقيقيًا وفق الآية الكريمة “قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَٰنًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَٰلِبُونَ”، وتعينه على ما يحمله من الإرث العظيم، وأن تضع نفسك بتصرفه، لأن الناس في لبنان أعطته وكالة غير قابلة للعزل، وفكرة “قوم يا سعد ت اقعد محلك” لا يمكن تطبيقها وتعميمها، لأن “سعد الحريري” يسكن وجدان الناس وضمائرهم، بينما أنت لم تكن يومًا موجودًا في المعادلة لا من قريب أو بعيد ..
كلمة حق قلناها .. اللهم اشهد أني قد بلّغت ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top