بقلم خالد صالح

“الحربُ أوَلها كلام” والحرب النفسية أخطر من القنابل والمدافع وقوافل الجيوش، والإشاعة والتضليل والتلاعب هي وقود الحقد والضغينة والكراهية والصور النمطية، فمنذ بداية “طوفان الأقصى” ونحن نعيش في لبنان مظاهر وممارسات وتصرفات إعلامية تسيء لسمعة المهنة النبيلة، مهنة المتاعب ومهنة البحث عن الحقيقة، في أوقات الأزمات وفي أوقات الشدة من واجب الإعلامي المسؤول والنزيه والملتزم ألا ينجر مع التيار الجارف وألا يطنب في الافتراء والتضليل والتشويه وصناعة الواقع الذي يغاير الحقيقة تمامًا.
اتفهّم أن يكون بعض الإعلام اللبناني على “خصومة” مع محور الممانعة وفي مقدمها “حزب الله”، واتفهّم أن يتم التصويب على بعض ممارسات الحزب من وجهة نظر معينة لهؤلاء، فهذه طبيعة العمل في هذا الميدان، لكن ما لايمكن أن اتفهّمه أو أن أقبل به هو أن يتحوّل بعض الإعلام (وسائل وإعلاميين) إلى “أبواق” ناطقة بأسلوب غير مباشر للمادة الإعلامية التي يريد العدو الاسرائيلي تعميمها، ويجعلني أتساءل عن الغاية الحقيقية جراء هذا الفعل ؟..
التضليل والتهويل
الدجلُ الإعلامي أو الإعلام الأسود ظاهرة منتشرة عالميًا ومتواجدة على الدوام، ولكنها تنشط تارة وتخبو أخرى وفقا للحاجة إليها في خلق رأي جماهيري وشعبي عندما يكون للجماهير ثقل ووزن في القضية المثارة، وغالبًا ما ينشط “التضليل الإعلامي” في المراحل الأكثر “جدلية” وتعتبر تحوّلية، كأزمنة الحروب والانقلابات وتغيير الأنظمة وإعادة صياغة الدول واحتدام التنافس وصراع القوى السياسية والاقتصادية والمجتمعية، هنا يدخل التضليل الإعلامي كأهم أداة لكسب الصراع وتحقيق المصالح بين القوى المتصارعة والمتنافسة.
طوال عشرة أشهر كان جزءٌ من الإعلام اللبناني يتبنّى الروايات المعادية بشكل مستهجن، ويستند إليها في معرض التهويل على اللبنانيين الذين يرفضون الحرب، وكانت منصات التواصل الاجتماعي مساحة لبعض الإعلاميين لبث “الأضاليل” واللعب على أعصاب اللبنانيين، تارة بأن الساعات المقبلة ستكون وبالًا عليهم، وتارة أخرى بأن الحرب الشاملة في هذا التاريخ، ومرةً يتمّ التصويب على قضايا يعمد العدو الاسرائيلي على تسويقها (قضية المطار مثلًا)، في أسلوب لا يمت للمهنة بصلة والهدف منه “التلاعب بالعقول”، لإثارة حال الرفض والدفع نحو مواجهة داخلية، لكسب التأييد الشعبي وترسيخ العملية التضليلية على أنها الصورة الواقعية لمسار الأمور ..
بين الحق والباطل
منذ أمس الأول وبعد حادثة “مجدل شمس” شهدنا على سجالات عقيمة في أروقة الإعلام اللبناني، لكن المثير للريبة هو أن يأخذ بعض الإعلاميين بـا”لرواية الاسرائيلية” ويكيلوا الإتهامات لـ “حزب الله” فقط لأنهم على خصومة معه، بحثًا عن إنجازات وهمية بعدما سقطت جميع توقعاتهم السابقة، لأن الواقع يبقى أعلى صوتًا من أي “بروباغندا” إعلامية، وتهاوي محاولاتهم لإلغاء “العقول المثقفة” التي تتمتع بحصانة فكرية وسياسية تستعصي على حملات التضليل، لاسيما أن شبكات التواصل صارت تتمتع بوجود روّاد لهم حيثياتهم الذاتية ويستطيعون التفريق بين الحق والباطل، ويتجنبون السقوط في وحول التضليل .
لايمكن لأي نشاط إعلامي تضليلي أن يكون مؤثرًا إلا إذا كان بغير علم الجهة المقصودة، بشرط أن يكون هناك ثقة بالجهة القائمة به، وقابلية لدى الجماعة البشرية والطرف المضلل والاستعداد للوقوع به، لذلك فإن الاعلام الموجّه يلعب على عواطف الناس ويخدعهم بالكذب وترويج الأباطيل، وتقديم الباطل على أنه حق والعكس صحيح، لتحقيق أهداف مباشرة وغير مباشرة رسمت له ومنها نشر الفتنة وتأجيج الصراعات وتأليب الرأي العام في وجه فئة معينة، بهدف إثارة الغرائز في وجهها، وهذا ما حصل خلال اليومين الماضيين من تعميم فكرة “رد العدو الاسرائيلي” على ما حصل في مجدل شمس بأنها بداية الحرب المفتوحة على لبنان . .
مواجهة التضليل بالوعي
في نظرة سريعة على ما يتناوله بعض الإعلام اللبناني، التقليدي والإلكتروني، والنظر إلى حجم المواد التحريضية التي يتولّى نشرها واللعب على أوتارها، والتي قد تدفع البلاد إلى “أتون الفتنة”، والإساءة إلى تاريخنا وقيمنا وثقافاتنا المتنوعة، عبر حملات موجّهة ومرسومة بدقة وعناية، فتظهر وكانها “موقف لبناني” بحت، بينما هي تكرار لإعلام العدو الإسرائيلي بطريقة غير مباشرة، وهي نوعٌ من “الحروب الناعمة” كالأفاعي الرقطاء، ورمي الإتهامات بأن المواجهة مع العدو هي السبب الوحيد لأزماتنا كلها، وهذا نوع من التضليل وأساليب التشويه الباطلة .
المواجهة مع “الإعلام التضليلي” تبدأ برفع منسوب الوعي لدى الناس، والمجاهرة بالحقائق كما هي، والثبات على موقف واضح من القضايا المثارة، ومقارعة “الكذب” بالحجج الدامغة التي لا يرقى الشك إليها، لتحصين ساحتنا الداخلية من الأبواق التي تستخدم المفردات والمصطلحات التي يستخدمها العدو الإسرائيلي، لوضع حدًّ لعملية “التهويل” المفتعلة عن عمد، لقطع دابر مشاريع الفتنة التي يريدها البعض ولو على حساب اللبنانيين .
نعم هناك “تضليل” إعلامي مخيف، لأن الإعلام يلعب دورًا بعيدًا عن رسالته، فقد بات مدعاة للتفرقة وإلقاء الشبهات وتضليل الأذهان تحقيقًا لأهداف سياسية معينة ومآرب مخفية، ويساهم في صناعة “وعي كاذب” وهش وسطحي ويروّج لأنماط التفكير التي لا تخدم سوى مصالح العدو بالدرجة الأولى، لكن هذا التضليل لم يعد يمرّ إلا على السذج الذين يسيرون خلف “المرياع” مغمضي البصر والبصيرة، لأن الثقافة الوطنية هي الحصن المنيع الذي تتهاوى أمامه محاولات العدو في اختراق مجتمعنا والعبث فيه .
