العلاقة السعودية اللبنانية منذ “اتفاق الطائف” ولغاية العام 2018.. دعم سياسي وامداد ماليّ.. ونهاية حقبة مأساوية!.. (1)

كتب عبدالله بارودي

لم يلتفت اللبنانيون الى أهمية دور المملكة العربية السعودية السياسي في لبنان الا مع بداية شروق شمس رجلها الأول وابنها البار رفيق الحريري في نهاية ثمانينات القرن الماضي مع اعلان وثيقة “الوفاق الوطني” في مدينة الطائف السعودية.

هذا الاتفاق الذي رسمه وهندسه الحريري برعاية عربية (سعودية وسورية بالدرجة الأولى) وأميركية، بقيت بعض الشخصيات والنواب تعارض مضمونه بشراسة أحيانًا لإضفاء بعض الجديّة، حتى قبل سويعات من اعلانه، لأسباب مرة سياسية وأخرى طائفية.. علّها تحظى برضى أو محبّة سعودية مباشرة أو عن طريق رفيق الحريري نفسه!!..

من هنا، بدأ الحريري يتلمّس حقيقة شخصيات الطبقة السياسية اللبنانية، وغرضها وحتى دواء علاجها عند الأزمات!.. في النهاية كان هدف الحريري ومعه قيادة المملكة وعلى رأسها الملك فهد بن عبد العزيز – رحمه الله – ايقاف شلال الدماء على الجبهة الداخلية اللبنانية، وتحقيق الأمن والاستقرار والسلم الأهلي في لبنان أولا، ومن ثم اطلاق ورشة الانماء والاعمار في بيروت وباقي المناطق اللبنانية..

مع استلام الرئيس الشهيد رفيق الحريري سدة الرئاسة الثالثة وتولي منصب رئيس الحكومة اللبنانية لأول مرة في العام 1993، بدأ نجم الحريري يسطع في سماء بيروت، وأطلقت المملكة العنان للعب أكبر دور سياسي واقتصادي في لبنان على المستويين العربي والدولي، لا يضاهيها ولا ينافسها فيه أحد على الاطلاق. ولولا التقديمات والمساعدات والمنح والودائع المالية التي قدّمتها السعودية للبنان منذ ذلك التاريخ ولغاية الأمس القريب، لكان واقع لبنان أسوأ بكثير مما هو عليه الآن!!..

كانت لحظة استشهاد رفيق الحريري في 14 شباط عام 2005، لحظة استثنائية بكل ما للكلمة من معنى في تطور علاقة السعودية مع لبنان على مختلف المستويات وأخذها أبعاد أخرى.. فساهمت أولًا باطفاء النار المشتعلة في قلوب اللبنانيين عمومًا والمسلمين السُنّة خصوصًا، بعد ان أيّدت ب”الخط العريض” تسمية سعد الحريري لمتابعة مسيرة والده السياسية، ورعتها بشكل قويّ وفعليّ لغاية حدود العام 2018 عقب انتهاء مؤتمر “سيدر” ومفاعيله، وقناعة قيادة المملكة بسقوط لبنان بشكل كامل في يد النظام الايراني وابتعاده عن محيطه العربيّ!!..الا أن تدحرج العلاقة بين الدولتين الشقيقتين انطلق فعليًا لحظة الانقلاب السياسي والأمني على حكومة الحريري الأولى عام ٢٠١١، بعد استقالة وزراء” 8 آذار” بحركة استعراضية مقصودة، أثناء زيارة الحريري للبيت الأبيض ولقائه الرئيس الأميركي باراك اوباما. هذه الحكومة ورغم أنها جاءت نتيجة ما أفرزته الانتخابات النيابية عام 2009 من فوز كاسح ل”قوى 14 آذار”، الا أن سعد الحريري أبى أن ينام على “حرير” هذا الانتصار السياسي الديمقراطي، ففضّل عشيّة الفوز وحماية للسلم الأهلي في البلد، الاعلان من “قصر قريطم” عن شعاره الشهير”كلنا تحت سما لبنان”، فكان ردّ الجميل لدى الطرف الآخر انقلاب “القمصان السود”!!..

خلال السنوات التي تلت عودة سعد الحريري من منفاه القسري في العام 2014، شعر معظم اللبنانيون أن علاقة السعودية مع لبنان لم تعد كالسابق. كان يكفي لمعرفة “بوصلة” العلاقة بين الدولتين الشقيقتين ومؤشراتها، مراقبة نشاطات “بيت الوسط” واستقبالات وسفر “سيّده”، وترجمة ذلك يتجلّى بزيارة سفير المملكة في لبنان لدارة الحريري، أو سماع خبر وصول الحريري الى المملكة ولقاء ملكها أو وليّ عهدها !!..وحين وصلنا الى العام 2016 وعقب اعلان الأمير محمد بن سلمان رؤية “السعودية 2030 ” أرسلت المملكة العربية السعودية عبر موفدين رسميين كلامًا واضحًا الى لبنان مستندًا الى أرقام علمية عن الواقع الاقتصادي المأساوي الذي وصلت اليه بيروت، وضرورة الاسراع فورًا باطلاق عملية الانقاذ.. ثم تكرّرت المحاولة مرة أخرى في العام 2017 بطلب خاص من وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان بعد تجاوز “محنة” استقالة سعد الحريري من الرياض وعودته عنها.. ثم مرة أخيرة في العام 2018 بعد زيارة قام بها الى لبنان وفد من مجلس الشورى السعودي، أعقبها اعطاء الأمير محمد بن سلمان توجيهاته لدعم لبنان من خلال مؤتمر “سيدر” ومساعدته في الوصول الى حوالي 12 مليار دولار على شكل قروض ميسّرة وبفوائد متدنية ولفترات زمنية طويلة المدى.

من الواضح ان السعوديين وصلوا مع القادة السياسيين اللبنانيين الى نقطة اللاعودة، وهنا الكلام ليس عن سعد الحريري، بل كل الطبقة السياسية التي بدا أنها تحيا وتموت على الفساد والهدر وسرقة أموال الناس!..اندلعت الثورة الشعبية في العام 2019، حاول الحريري أن يرمّم ما أمكن حكوميًا ومن خلال تقديم الخطط الاقتصادية التي تتوافق مع مباحثات صندوق النقد الدولي لاحقًا، لكن كان من الواضح، أن الأمور بدأت تتجه نحو المجهول و”الجحيم الأحمر” الذي بشّر به الرئيس عون وصل اليه لبنان فعليًّا !..

وجدت المملكة أن وصول العماد عون الى سدة الرئاسة الأولى في العام 2016، وقانون الانتخابات النيابية عام 2018، وطريقة ممارسة وادارة الحكم والوقائع السياسية التي برزت في هذه السنوات، تجاوزت الدستور اللبناني وضربت بعرض الحائط وثيقة “الوفاق الوطني” – “اتفاق الطائف” وهو ما لا يمكن ان تقبله القيادة السعودية على الاطلاق..

شعر الحريري بأن لبنان رفيق الحريري انتهى أو في طور الانتهاء، وان اكمال المهمة السياسية خيانة لمسار ونهج والده، قبل ان تكون خيانة لمناصريه او تياره السياسي وخيانة للبنان وكل اللبنانيين الذين وضعوا ثقتهم فيه منذ العام 2005..

وأيقن الحريري انه أصبح بحكم الأمر الواقع رهينة وأسير توسّع النفوذ الايراني في المنطقة، بعيدا عن حضنه العربي، ولا يملك الرعاية الأبوية والمظلّة السعودية التي اعتاد عليها في أصعب الأوقات للخروج من المآزق السياسية والاقتصادية..

في بداية العام 2022 أعلن الرئيس سعد الحريري قرار تعليق عمله السياسي، وعدم خوضه مع “تيار المستقبل” غمار الانتخابات النيابية في صيف نفس العام وغادر بيروت الى العاصمة الاماراتية أبوظبي…

في الحلقة الثانية: تحت شعار “لا عودة الى تسويات الماضي”..

كيف رسمت السعودية شكل علاقتها الجديد مع لبنان؟!..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top