من قدسية المسيح إلى كرامة بكركي:نداء الصدق في وجه التناقض

بقلم الياس عيسى الياس

​في هذا الشرق الذي باركته خطى السماء، يبرز لبنان كأنه صلاة حجرية تتوق دائماً إلى العلاء. لقد آمنا دوماً أن هذا الوطن ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو “مساحة لقاء” تلتقي فيها الأرواح قبل الأجساد.

ولكن، حين تهب عواصف الجفاء وتستعر لغة التحريض، نجد أنفسنا مضطرين للوقوف أمام المرآة، ليس لنحاكم الآخرين، بل لنستنهض الضمير الذي هو صوت الله فينا. إن ما يشهده لبنان اليوم من حملات تطاول على المقام البطريركي الماروني في بكركي، وما نراه من مفارقات في المواقف الروحية والوطنية، يستوجب منا وقفة صدق تليق بقدسية هذه الأرض وبكرامة أبنائها، وقفةً تتجاوز الحبر لتلامس أوجاع الحقيقة التي لا تجامل.

​لقد استوقفني طويلاً، وبكثير من التأثر في حينه، ذلك النبل الذي كان يبديه العشرات من الأصدقاء والصديقات من أبناء الطائفة الشيعية الكريمة، حين كانوا يسارعون بقلوب مفعمة بالغيرة لإرسال صور السيد المسيح عندما يتعرض للإساءة في أرجاء العالم، أو عندما تنتهك حرمة الرهبان والراهبات في الأراضي المقدسة، أو حتى حين كانت تصل أخبار الاعتداءات التي طالت تماثيل ومقدسات في قرى الجنوب.

كانت تلك الرسائل تصلني وكأنها بخور يطيب جراح الروح، لا سيما حين تلحق بصور لمقاتلين يؤدون تحية عسكرية خاشعة أمام تمثال أمنا مريم العذراء. في تلك اللحظات، كنت أرى في تلك “التحية المريمية” تجسيداً لجوهر لبنان؛ حيث يرى المسلم في عيني العذراء طهارة إيمانه، ويرى المسيحي في استنكار أخيه المسلم ضمانة لوجوده وكرامة مقدساته.

​لكن المحبة، كما علمنا الإيمان الصافي، لا تقوم على المشاعر العابرة، بل على “الحقيقة” التي تحرر الإنسان من أغلال التناقض.

ومن هنا، تنبثق غصة مؤلمة وتساؤل يطرق أبواب الوجدان بمرارة: كيف يمكن لهذا النبل الذي استنكر بالأمس تدنيس حجر أو رسم مسيء للسيد المسيح، أن يقف اليوم مدافعاً، أو مختلقاً للأعذار الواهية، تجاه “اغتيال معنوي” وإساءة ممنهجة تطال بكركي وبطريركها؟

إن الدفاع عن الرموز الدينية لا يمكن أن يكون مجتزأً، ولا يمكن للقداسة أن تخضع لمزاجية السياسة أو لتبدل التحالفات. فالبطريرك في صرحه ليس مجرد شخص أو مقام إداري، بل هو حارس لذاكرة وطن وصوت لكرامة تاريخية لا يجوز المساس بها تحت أي ذريعة. إن محاولة تبرير الإساءة والازدراء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تحت ستار الخلاف السياسي، هي سقطة أخلاقية تُدمي قلب “العيش المشترك” قبل أن تؤذي مقام البطريرك، وتضعنا أمام تساؤل مخيف حول عمق ذلك الاحترام الذي نتغنى به.

​إننا نتساءل، بروح الرجاء التي ترفض اليأس: هل كانت تلك الصور المستنكرة بالأمس، وتلك التحايا الموجهة للعذراء، تعبيراً عن “وحدة روحية” أصيلة متجذرة في النفوس؟ أم أنها كانت، مع شديد الأسف، نوعاً من الأداء الصوري أو التمثيل الذي يهدف إلى تجميل الصورة في لحظات معينة، بينما يتم التخلي عنه والسكوت عن الإساءة حين تتعارض المبادئ مع المصالح السياسية؟

إن الإيمان الحقيقي هو الذي يرى في الآخر “أخاً” لا يمكن إهانة مرجعياته تحت أي ظرف. ومن يعظم “المسيح السماوي” ويغار على تماثيله من التحطيم، لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يرضى بتشويه صورة “بكركي الأرضية” التي كانت وستبقى صخرة للسيادة والحرية. هذا التناقض الصارخ بين استنكار إساءة بعيدة وتبرير إساءة قريبة تطال شريكك في الأرض والمصير، هو الذي يزرع الريبة في النفوس ويجعلنا نخشى على لبنان من فقدان “جوهر الصدق”.

​إن القوانين التي تلاحق المسيئين للمقامات الروحية والوطنية ليست أدوات زجر أو تقييد للحريات، بل هي “سياج للمحبة” وضمانة لعدم انزلاق المجتمع نحو هاوية الحقد التي لا قاع لها. فالحرية التي لا تلتزم بكرامة الآخر هي حرية مشوهة تفقد معناها الإنساني.

إن التحرك القضائي اليوم هو صرخة لاستعادة “أدب التخاطب” في وطن لا يحيا إلا بالاحترام المتبادل والاعتراف المتبادل بالكرامات. إننا نحتاج إلى العودة إلى الجذور، إلى ذلك الصدق الذي لا يعرف “الكيل بمكيالين”، ولا يقبل أن تكون المقدسات مادة للبازار السياسي.

لا تسمحوا للغبار الرقمي والخطابات العابرة أن تحجب عنكم حقيقة أن كرامة بكركي هي من كرامة لبنان، وأن التدنيس الذي يطال أي رمز روحي، سواء كان حجراً في الجنوب أو مقاماً في بكركي، هو طعنة في صدر الصيغة اللبنانية الفريدة.

​يا أبناء لبنان، لا تخافوا من الحقيقة التي تكشف العيوب، بل خافوا من الزيف الذي يرتدي قناع التقوى والوفاء ثم يغيب عند المحك. إن لبنان الذي نحلم به هو الذي يرى فيه كل لبناني أن كرامة بكركي هي حصنه، دون تبرير أو مواربة.

إن الصور التي وصلتني من أصدقائي الشيعة بالأمس كانت “رسائل رجاء”، وهي اليوم تضع أصحابها أمام مسؤولية الوفاء لمضمونها؛ فالوفاء للعذراء وللمسيح لا يكتمل إلا باحترام مقام صرحهما الذي يمثله البطريرك في هذا الوطن.

ليكن هذا المقال نداءً لاستعادة الضمير الوطني، ولتطهير الخطاب العام من شوائب الحقد والازدواجية. بكركي جبل لا ينحني أمام العواصف، والعيش المشترك حقيقة لا تموت إذا سقيناها بماء الصدق والمواقف الثابتة. لنتقدم معاً نحو مستقبل نحترم فيه مقدساتنا بالفعل لا بالتمثيل، بالثبات لا بالتبدل، ليبقى لبنان “رسالة” تنير عتمة هذا العالم، منارةً للحق، وحصناً منيعاً لكل إنسان يؤمن بأن الكرامة هي عطية الله التي لا يجوز العبث بها أو المتاجرة فيها تحت أي مسمى.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top