“عاصمة الثقافة العربية”: احتفال باهت وإهمال مُمنهج طلال الخواجه: كان من الممكن تحويل المدينة إلى متحف مفتوح يزهو بآثاره و تراثه و تاريخه العريق

بقلم جنى دبليز – ديموقراطيا نيوز

شهدت طرابلس، يوم الاثنين الماضي، حفل اختتام فعاليات اختيارها عاصمةً للثقافة العربية، وهو اللقب الذي منحتْه إياها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو). إلا أن هذا الحدث، الذي كان من المفترض أن يكون مناسبة للاحتفاء بمكانة طرابلس الثقافية، مرّ مرور الكرام، نتيجةً لتواضع التسويق، و شُحّ التغطية الإعلامية .
جاء الحفل باهتًا، لا يليق بمكانة المدينة و لا بحجم هذا الاستحقاق، ويمكن إختزاله كإستعراضًا فجًّا لإخفاقات وزارة الثقافة الغارقة في الإهمال و التقصير.

تُضاف هذه الواقعة إلى سجل حافل بالانتهاكات التي تُرتكب بحق هذه المدينة، التي ما فتئت ترزح تحت وطأة إقصاء سياسي ممنهج. وبذلك، تبدّدت فرصة ذهبية في مهب الريح كنتيجة حتمية لمعادلة ثلاثية قاصمة: غياب تام للبرامج، و شحّ مزمن في التمويل، و تقاعس مشين من الدولة .
يشير الدكتور طلال الخواجة، ل”ديموقراطيا نيوز”، على الرغم من أهمية الأنشطة الثقافية التي احتضنتها المدينة عام 2024، سواء تلك التي رعتها وزارة الثقافة أو المبادرات المستقلة التي أطلقتها المجموعات الثقافية، فإن أثرها لم يكن بمستوى الحدث الجلل. و مع ذلك، يثني على الجهود المضنية التي بذلتها النخب الثقافية، من مثقفين و فنانين تشكيليين، في مواجهة التحديات العملية و الظروف القاهرة التي عصفت البلاد.
إلا أنه انتقد بشدة غياب التجهيزات والاستهتار واللامبالاة في التحضير لهذا الاستحقاق، قائلاً: “كما توقعنا منذ اللحظة الأولى لإعلان طرابلس عاصمة للثقافة العربية، غابت أي إنجازات استباقية جادة في البنى التحتية و الخدمات و الترميم، في حين كان من الممكن تحويل المدينة إلى متحف مفتوح، يزهو بآثاره و تراثه و تاريخه العريق. لكن الواقع جاء مُغايرًا تمامًا، لتشهد المدينة مزيدًا من الاهتراء و”تدميرًا مجازيًا” لبعض معالمها التراثية” و ينوّه:” فضلًا عن تردي أوضاعها الصحية و البيئية و الخدمية المتهالكة أصلًا، رغم الارتفاع الفاحش في الرسوم و الضرائب التي يدفعها أبناؤها، والتي أقرتها حكومة يرأسها أحد أبنائها.”

و حول الإخفاق الذي شاب الحدث منذ بدايته، سواء أكان مُتعمّدًا أم ناتجًا عن قصور في التقدير، يعلّق خواجه قائلًا: “لا أودّ وصفه بإخفاق صريح، بل بتعثّر و ارتباك في الرؤية، فقد اتّسمت الانطلاقة بعشوائية مُفرطة، من قِبل موظفين و مستشارين يفتقرون إلى الكفاءة والعمق الثقافي، مع ضعف وتخبّط جليّين في التواصل مع النخب الثقافية.”

و يؤكد خواجه على عمق الثقافة المُتجذّر في نفوس الطرابلسيين، الذين يتحدّون الصورة النمطية السلبية المُلازمة لهم، والتي تُرسّخ، مع الأسف، إما عن جهل أو تخلف، وأحيانًا عن تواطؤ. ويشير إلى غنى المدينة بالمؤسسات الثقافية و الإبداعية، وتجلّى ذلك في انتفاضة ١٧ تشرين التي استقطبت أطيافًا واسعة من المجتمع. هذا الدور الثقافي البارز، بحسب رأيه، عرّض المدينة للاستهداف و التخريب من قِبل قوى معادية، مُخلّفًا آثارًا سلبية على بنيتها، وذلك بأعمال تخريب طالت البنوك والبلدية و مبنى السراي.
يلفت خواجه الانتباه إلى الدور السلبي الذي اضطلعت به وزارة الثقافة، مؤكدًا: “لا أُخفي أن وزير الثقافة، المُتفنن في ألاعيب العلاقات العامة، يتبنى موقفًا عدائيًا من الإبداع الثقافي، ولا يسير على النهج القويم للدور الذي يُمكن أن تضطلع به المدينة، ذات النسيج الثقافي المُتنوّع، في إعادة بناء الجسر الثقافي الذي لطالما مثّله لبنان بين الحضارات، في حين يسعى الكثيرون إلى قطع أوصاله.”

ويُسهب خواجه مُقرًا بتأثير الحرب الإسرائيلية الشرسة التي ألقت بظلالها القاتمة على المشهد الثقافي، إلا أنه ينتقد بشدة غياب الدعم السياسي و المالي لتطوير البنية التحتية المُتهالكة، سعيًا لإبراز الوجه الثقافي للمدينة، بدلًا من الاكتفاء بمظاهر برّاقة سرعان ما تلاشت بانقضاء الحدث، تاركةً طرابلس فريسة للإهمال والتهميش.
يُبرز خواجة الدور الحيوي الذي لعبه المجتمع المدني والنخب الثقافية في التصدي للتهميش الذي تعرضت له المدينة. وقد تجسد ذلك في تأسيس تجمع “فيحاؤنا – حاضنة الثقافة لكل الأزمان” كاستجابة لضعف تحضير وزارة الثقافة وتجاوزاتها. يضم هذا التجمع مجموعة من المؤسسات الثقافية مثل رابطة الجامعيين في الشمال، الجمعية اللبنانية لتنشيط المطالعة ونشر ثقافة الحوار، جمعية تراث طرابلس – لبنان، جمعيات ثقافية زغرتاوية، المجلس الثقافي للبنان الشمالي، المنتدى الثقافي في الضنية، مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية، ونادي قاف للكتاب. وقد نظم هذا التجمع محاضرات ومهرجانات شعرية وندوات وورش عمل تناولت مختلف المواضيع الفنية والأدبية، كما كرّم شخصيات ثقافية بارزة في المجتمع.
ويُشير خواجة إلى عدد من المبادرات القيّمة الأخرى، بما في ذلك: سعي غرفة التجارة والصناعة والزراعة لتحويل المدينة إلى عاصمة اقتصادية للبنان،
و مبادرة إدراج معرض طرابلس الدولي على قائمة التراث العالمي، المبادرات الاجتماعية و الإنسانية التي واجهت تحدّيات الفقر و المرض في الأحياء المهمشة. و قد أسهمت بعض هذه المبادرات في ضمان استمرار العملية التعليمية في الجامعة اللبنانية خلال الأزمة المالية، و ذلك عبر توفير الاحتياجات الضرورية بفضل جهود جمعية سنابل النور و لجنة الحميدي.

في المقابل، شهدت المبادرات البيئية تراجعًا ملحوظًا نتيجة تفاقم الأزمات وهجرة بعض الكفاءات الناشطة في هذا المجال.
و عدّد خواجه أبرز إنجازات الجمعية التي أسسها، ومن بينها الحراك الواسع من أجل بناء الجامعة الموحدة في المون ميشال، و الذي تضمن إنشاء جدار بوزار للسلام، نفّذه أبرز الفنانين التشكيليين تحت شعار “بوزار تمحو خطوط التماس الطرابلسية”، إضافة إلى إنشاء نصب بوزار للتواصل الثقافي والاجتماعي وترميم مباني العلوم التاريخية.
كما شملت إنجازات الجمعية العمل على تأسيس مركز ثقافي إنمائي لإنعاش مناطق قبة النصر وبعل محسن والمناطق المهمشة. وقد ذكر خواجه تفاعلاته الإيجابية مع عدد من القامات البارزة في السياسة والفن، أمثال الرئيس الشهيد رفيق الحريري و وجيه نحلة و الراحل إلياس ديب، الذين أثنوا على تمسك الطرابلسيين بقيمهم الثقافية.
و أشار أيضًا إلى أن اغتيال الرئيس الحريري أسهم في تدفق الطرابلسيين إلى ساحة الحرية وتوسع انتشار الجداريات في المدينة، ما أكسبها لقب “مدينة الجداريات”.
واختتم حديثه بالإعلان عن إقامة احتفال ثقافي في الحادي و العشرين من شباط المقبل بمناسبة إصدار كتاب “طرابلس حاضنة الثقافة لكل الأزمنة”، الذي يعكس العمق الثقافي للمدينة بعيدًا عن البهرجة و العلاقات العامة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top