تأليف الحكومة .. المالية ليست العقدة الوحيدة !!

بقلم خالد صالح

يحملُ لنا تُراثنا الأدبي القديم قصصًا فيها من العٍبر ما يتطابق وزماننا وحياتنا، ومنها نستقي المعرفة والمقاربة المنطقية لكثير من تفاصيل واقعنا المزري، فقد ذكرت إحدى القصص أن أخوين (حمد وحمدان) كانا يسرحان بقطيع أغنامهما في البرية حين هاجمتهما مجموعة من اللصوص يريدون سرقة قطيعهما، لكن “حمد” رفض الرضوخ وأصرّ على المواجهة، بينما “حمدان” توارى في أحد الخنادق .
نادى “حمد” على “حمدان”: أخي تعالى ساعدني على التصدّي لهم، فقال له “حمدان” فلنسلمهم الأغنام وننجو بأنفسنا، فأجاب “حمد”: لن أفعل ولو على جثتي، فواجههم بعزيمة وإصرار حتى قتلَ منهم خمسة وسقط قتيلًا، بينما “حمدان” بدأ بالصراخ عاليًا وهو مختبئ في الخندق.
بعدما فرّ اللصوص، قام “حمدان” بوضع جثة أخيه على حصانه وجثث اللصوص على خيولهم وجرّهم إلى القرية، حيث استقبل استقبال الفاتحين بالأهازيج ورشّ الأرز، بينما والدتهما ظلّت صامتة ولم تنبت ببنت شفة، فهي تعلم حقيقة ولديها، فسألها الناس: لماذا لا تحتفلين بـ “حمدان” وقد أجهز على اللصوص وعاد بقطيع الحلال فقالت : “حمد شبعان رصاص، وحمدان شبعان صيت” ..

عقدة المالية والمعارضة

أسبوعان مرّا على تكليف القاضي “نواف سلام” تشكيل أولى حكومات العهد الجديد، وحتى اللحظة لم يرشح أيّ تقدّم على هذا المسار، فيما “السهام” مصوبة نحو ثنائي حركة أمل – حزب الله على أنه المعرقل لولادة “الحكومة العتيدة”، وأن “عقدة المالية” تكاد أن تنسف كلّ الجهود والمحاولات التي تُبذل لإخراج “أرنب التشكيل” من “قبعة المشاورات”، فهل فعلًا هي “عقدة المالية” أم أن وراء الأكمة ما وراءها ؟!!
ربّما تكون “المالية” من العقد التي تواجه الرئيس المكلّف لكنّها ليست كلّها، فالمعضلة الأكبر تكمنُ في “الشهية” على التوزير من قبل الجميع، وعادت لغة “الأحجام” لتُهيمنَ على المشهد، وسط سيلٍ من الشروط والمطالبات من جميع الأفرقاء لاسيّما الفريق الذي اعتبر تسمية “سلام” من الانتصارات التي تحققت بعدما أعيته “الهزائم” لفترة طويلة، ويبحثُ عن إنجازات تُسجّل في خانته بعد أن طبع “الفشل الذريع” استراتيجياته منذ الانتخابات الماضية وحتى اليوم، وهنا بيت القصيد .
الرئيس المكلّف يُحاولُ قدر المستطاع أن تكونَ عملية تدوير الزوايا منطقية، وبالرغم من أن العلاقة مع الثنائي قد قطعت مخاضًا صعبًا لكنها بلغت حدود تنفيس الاحتقان لاسيما بعد اللقاء مع الرئيس بري ثم اللقاءات مع ممثلي الثنائي، وقد أدّت إلى تفاهمات “مبدئية” بين الطرفين، مما يؤكد أن عقدة المالية قد تمّ تجاوزها لتقف عند عقد أخرى، أبرزها ضغوط فريق “المعارضة” الذي هاجم هذه التفاهمات ويريد تطبيق مبدأ المداورة في توزيع الحقائب ..

عقدة الخارجية

منذ أن تنامى إلى الأذهان أسم الوزير السابق “غسان سلامة” لحقيبة الخارجية، ظهرت عقدة “عويصة” أكثر من المالية، عقدة “التمثيل الماروني” في الحقائب السيادية، ورغم أن هذا الأمر هو من خارج الأطر الدستورية لكنه صار “عرفًا” لا يمكن تجاوزه بسهولة، ورغم أن ثنائي أمل – حزب الله يبدي مرونة في التعامل مع سلام لولادة سريعة للحكومة، لكنه يُرسل رسائل بين السطور أن الأزمة ليست في مطالبه بل المشكلة الحقيقية تعترض التمثيل المسيحي عمومًا والماروني خصوصًا وبدرجة أقل “التمثيل السنّي” ..
ومن العقد التي تقف في طريق ولادة الحكومة الضغوط التي تُمارسها قوى التغيير بالتحالف مع القوات اللبنانية، لإعطاء الثنائي 4 وزراء شيعة فقط بينما تتمثل القوى الأخرى بالوزير الخامس في حكومة من 24 وزيرًا، وهذا الأمر لن يسير به الرئيس المكلّف ملتزمًا “منطق الأحجام” الذي تنادي به المعارضة، إذ لا نوّاب شيعة في البرلمان من خارج الثنائي، الذي يريد حكومة بأسرع وقت لتنفيذ مضامين خطابي “القسم والتكليف”، لاسيما في أهمية أعادة الاعمار في المناطق المنكوبة جراء العدوان الإسرائيلي خصوصًا بعد عودة الأهالي إلى قراهم إثر انتهاء مهلة الـ 60 يومًا .
وإذ تؤكد أوساط متابعة أن الرئيس المكلّف سيقدم خلال فترة لا تتجاوز نهاية الأسبوع الجاري تشكيلته إلى رئيس الجمهورية، معتمدًا على ديناميكية “لا يموت الديب ولا يفنى الغنم” بحيث لا يصطدم بالثنائي ولا بالمعارضة ولا يخلع عباءة التغيير، ومتوقعًا اصدار مراسيمها للشروع في صياغة بيانها الوزاري والذي يضعها أمام احتمالين، إما نيل الثقة والانطلاق نحو العمل الجاد للكثير من الملفات، وإما حجب الثقة عنها وتحوّلها إلى “حكومة تصريف أعمال”، وهذا يخدم المشاريع السياسية للمعارضة لأن ذلك يُسهم في التخلّص من “حكومة تصريف الأعمال” الحالية .
ومن خلال القراءة المتأنية لمسار التأليف، نجد أن سلام الذي يدافع “منفردًا” عن أسلوبه ورؤيته يتلقّى الكثير من السهام مثل “حمد” الذي يرفض الاستسلام لـ “مجموعة اللصوص”، بينما البعض يمارس “طوباويته” مثل “حمدان”، ويريد أن يكسب الرهان والامتيازات من دون أن يبذل جهدًا لذلك، فوصلنا إلى صورة “سلام شبعان رصاص، والباقي شبعان صيت” ..
من هنا فإن أكثر من علامة استفهام على هذه الخطوة، أولها، هل يوقع رئيس الجمهورية مراسيمها وهو الباحث عن إنطلاقة قوية لعهده؟، أم أن يكون “أول وصوله شمعة على طوله”، وتدخل البلاد في أزمة سياسية إضافية ونفقد “الزخم” العربي والدولي الذي يلقاه لبنان في الفترة الحالية؟ ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top