
تعيش الساحة اللبنانية في حالة من الترقب والقلق المستمر نتيجة الأوضاع السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد منذ عقود. ومع تكرار الأزمات، يبقى الخوف من ضياع فرص استعادة دور الدولة وهويتها سيد الموقف، مما يفرض ضرورة التمييز بين المخاوف المبررة وتلك التي لا تستند إلى واقع حقيقي.
من بين القضايا التي تثير الجدل، مستقبل “حزب الله” ودوره السياسي والعسكري. فقد شهد هذا الدور تحولات جوهرية، حيث لم يعد الحزب يمتلك القوة الإقليمية السابقة بعد التغيرات الاستراتيجية التي طرأت على المنطقة، بما في ذلك فكّ الارتباط بينه وبين بعض القوى الخارجية، إضافة إلى التحولات السياسية التي دفعت أطرافًا دولية إلى إعادة رسم معادلات النفوذ في الشرق الأوسط.
فالمعادلة التي حكمت المشهد اللبناني لسنوات طويلة، والتي قامت على توازنات عسكرية وسياسية دقيقة، باتت اليوم موضع إعادة نظر، خاصة في ظل تراجع الدعم الخارجي لمشاريع الهيمنة الإقليمية.
فقد أثبتت المتغيرات الأخيرة أن أي مشروع يستمد قوته من قوى خارجية، يفقد تأثيره عندما تُقطع سبل دعمه. وعلى هذا الأساس، لم يعد بإمكان “حزب الله” الاستمرار بالصيغة السابقة نفسها، ما يفرض عليه إعادة تقييم موقعه ودوره في الداخل اللبناني.
بعبارة أخرى، إن التحولات الإقليمية، من حرب غزة الأخيرة إلى إعادة رسم التحالفات الدولية، أظهرت أن مشروع المقاومة بشكله التقليدي لم يعد فاعلًا كما كان سابقًا. وقد انعكس ذلك على مواقف القوى الإقليمية والدولية، حيث لم تعد بعض الدول الكبرى ترى في استمرار تسليح الميليشيات في المنطقة عامل استقرار، بل على العكس، بدأت مرحلة جديدة تسعى إلى إعادة ترتيب الأوضاع بما يتناسب مع مصالح الدول ذات السيادة.
أمّا على الصعيد اللبناني، فإن التحدي الأكبر لا يكمن في عودة نفوذ “حزب الله” بصيغته القديمة، بل في قدرة الدولة على استثمار هذه التحولات لاستعادة قرارها السيادي. فالمخاوف الحقيقية ليست في استمرار المشروع المسلح للحزب، بل في إمكانية فشل الدولة في استعادة زمام المبادرة، مما قد يُبقي لبنان في حالة عدم استقرار دائم.
وأخيراً، يكمن الحل في اتخاذ خطوات حاسمة تعزز دور الدولة وتطبيق الدستور، بما يشمل نزع السلاح غير الشرعي وفق وثيقة الوفاق الوطني، لضمان استقرار لبنان سياسيًا واقتصاديًا. فاستمرار الوضع الحالي من المراوحة والتردد قد يؤدي إلى فقدان هذه الفرصة النادرة لبناء دولة قوية قادرة على فرض سلطتها على كامل أراضيها.
المصدر: نداء الوطن، شارل جبور
