
منذ أن أعلن نائب الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان، تفويض رئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل نبيه بري، للتفاوض بشأن وقف إطلاق النار، أصبح بري فعليًا صاحب اليد الطولى في تمثيل «الثنائي الشيعي» على المستوى السياسي، وحتى في الملفات العسكرية المرتبطة بالمواجهة مع إسرائيل.
وقد عزز هذا الواقع تراجع الحضور العلني لقيادات حزب الله، الذين كانوا في الصفوف الأمامية سياسيًا وعسكريًا، لا سيما بعد اغتيال الأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله، وتلقي الحزب ضربات مؤلمة على المستويين السياسي والعسكري. ومنذ ذلك الحين، تولّى بري إدارة التفاوض المرتبط بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، الذي لا يقتصر على انسحاب حزب الله إلى شمال الليطاني، بل يتضمن أيضًا تفكيك جزء من ترسانته العسكرية، وهو ما يُنفذ تدريجيًا على الأرض من قبل الجيش اللبناني.
وتكرّس هذا التفويض في تصريحات قاسم، الذي لا يكاد يخلو ظهور له من تأكيد ثقته المطلقة بـ«الأخ الأكبر» نبيه بري، واصفًا إياه بأنه يحظى بثقة سماحة السيد حسن نصر الله، ويعبّر عن موقف حزب الله الرسمي. هذه الثقة باتت ملموسة لدى الأوساط اللبنانية والدولية، وخاصة الولايات المتحدة التي ترى في بري الطرف القادر على قيادة حوار فعّال حول ملف سلاح الحزب، وتوليه ملف اللقاءات مع المسؤولين والموفدين الدوليين.
مصادر نيابية في حركة أمل تؤكد أن الحزب سبق أن فوّض بري خلال الحرب بإدارة مفاوضات وقف إطلاق النار، وبالتالي لا تجد غرابة في أن يكون مؤتمناً على الملفات السياسية الداخلية أيضًا، كما ظهر في ملف تشكيل الحكومة برئاسة نواف سلام، وتسمية حاكم مصرف لبنان كريم سعيد. غير أن ذلك لا يعني غياب دور الحزب أو تأثيره، فالتنسيق بين الطرفين قائم ومستمر، والحزب ممثل بـ15 نائبًا في البرلمان، ما يعكس استمرار التوازن والتشاور بين الحليفين.
في المقابل، يسجل تراجع ملحوظ في لهجة مسؤولي حزب الله، الذين باتوا يركّزون على شعارات عامة كـ«مواصلة مقاومة إسرائيل»، دون الإفصاح لجمهورهم عن فحوى الاتفاق الجاري تنفيذه، والتغيرات المرتقبة في دور الحزب. وفي ظل الانتظار الشعبي لانطلاق عملية إعادة الإعمار وتعويض المتضررين في الجنوب، يبدو أن الحزب يركّز جهوده راهنًا على هذا الملف، بحسب مصادر مطلعة.
هذا التحوّل في موازين النفوذ ينعكس أيضًا في أداء وزراء الثنائي داخل الحكومة، حيث باتت الكلمة الفصل تعود لبري، ويتّبعها الوزراء المحسوبون على الطرفين. وتوضح مصادر مطّلعة أن ما كان يُلاحظ سابقًا من تفوق في قرار وزراء حزب الله، بات الآن محسومًا لصالح رئيس المجلس النيابي في كل القضايا المطروحة داخل مجلس الوزراء.
أما على صعيد الانتخابات البلدية المقبلة في 4 أيار، فتقود حركة أمل التحضيرات بالتنسيق مع حزب الله، عبر محاولة فرض التزكية في أكبر عدد ممكن من البلدات الجنوبية، في ظل صعوبة إجراء الانتخابات فعليًا في بعض المناطق. حتى في بيروت، حيث المعركة أكثر احتدامًا، تُجمع المصادر على أن القرار الانتخابي لدى الشارع الشيعي يعود لبري، لا سيما بعد أن أحال نواب الحزب من تواصل معهم إلى حركة أمل.
ولا تنفي مصادر من كتلة التنمية والتحرير هذا الواقع، مشيرة إلى أن التوافق الانتخابي القائم بين الطرفين منذ عام 1998 لا يزال ساريًا، ويُبذل جهد لتجنّب المعارك الانتخابية عبر التزكية في معظم القرى.
وفي ما يخص قانون الانتخابات النيابية للعام المقبل، فقد تقدّم نواب التنمية والتحرير بمقترح يعتمد لبنان دائرة انتخابية واحدة، ونال موافقة حزب الله الكاملة، في انسجام واضح مع وثيقة الوفاق الوطني.
ومن المتوقع أن تكون هذه الانتخابات النيابية بمثابة استفتاء شعبي على واقع «الثنائي الشيعي»، ولا سيما حزب الله، بعد الحرب الأخيرة التي كبّدته خسائر فادحة بشريًا وماديًا، في مناطقه التقليدية
المصدر:كارولين عاكوم – الشرق الأوسط
