الفاتيكان ولبنان: ثوابت لا تتغيّر ورهانات جديدة في عهد الرئيس جوزاف عون

عندما انتُخب البابا فرنسيس خلفاً للبابا بنديكتوس السادس عشر، ومن قبله القديس يوحنا بولس الثاني، علّق أحد المطارنة المشارقة قائلاً إن البابا الجديد قادم من بعيد ولا يعرف الكثير عن لبنان والمنطقة، بعكس سلفيه اللذين كانا على اطلاع عميق بالشأن اللبناني، بل زارا البلاد وعبّرا عن اهتمام خاص بها.

ومع مرور الوقت، اقتنع البابا فرنسيس، ولو متأخراً، بأهمية لبنان كنموذج فريد للتنوع والشراكة المسيحية-الإسلامية، في إطار من الحريات والضمانات الميثاقية التي يقوم عليها العيش المشترك. وقد خطّط بالفعل لزيارة لبنان، وتم تحديد موعد مبدئي لها، لكنها تأجلت لاحقاً ولم تتحقق. رغم ذلك، عوّض البابا غيابه عن الأرض اللبنانية بمواقف ومبادرات متعددة دعم فيها لبنان، وكرّر ذكره في مناسبات كثيرة باعتباره بلداً يستحق العناية والخلاص من أزماته حفاظاً على تجربته الفريدة.

وتشير مصادر كنسية رفيعة إلى أن شخصيات سياسية ودينية ساهمت في إبراز القضية اللبنانية لدى الكرسي الرسولي، فحظيت بحد أدنى من المتابعة والرعاية. من بين هذه الجهود، وفد نيابي يمثل أبرز تكتل مسيحي، قدّم عرضاً مفصلاً عن الواقع اللبناني لكبار المسؤولين في الفاتيكان، وأبلغهم، بناءً على طلبهم، بما يمكن فعله لتعزيز الحضور المسيحي ودعم لبنان.

كما لعب لبنانيون يشغلون مواقع مؤثرة داخل دوائر الفاتيكان والجسم الدبلوماسي التابع له دوراً إيجابياً في تثبيت القضية اللبنانية على جدول أعمال البابا. وتوقّعت هذه الأوساط أن يواصل هؤلاء دورهم، مهما كان هوية البابا الجديد، خاصة وأن المسؤولين الكبار الذين عيّنهم البابا فرنسيس خلال ولايته أصبحوا على دراية واسعة بتعقيدات الملف اللبناني.

وفي كل الأحوال، تستبعد المصادر الكنسية أن يُنتخب بابا جديد لا يملك اهتماماً أو معرفة بالواقع اللبناني والمشرقي، وخصوصاً أن البابا فرنسيس كان استثنائياً في التزامه بالقضايا الإنسانية والدفاع عن المهمّشين والفقراء، حتى وإن كان ذلك أحياناً على حساب التركيز على قضايا الوجود المسيحي وما يواجهه من تحديات في بعض المناطق. إلا أن البابا، وقبل سنوات، بدأ بمعالجة هذا القصور، فعمل بجد لتداركه في المراحل اللاحقة من حبريته.

وتلفت هذه المصادر إلى أن هناك ثوابت فاتيكانية لا يمكن لأي بابا أن يتجاوزها في ما يخص لبنان، أبرزها دعم الميثاق الوطني والتشديد على الالتزام باتفاق الطائف، الذي تعتبره الكنيسة الإطار الأنسب للحفاظ على هوية لبنان ودوره المتمايز في محيطه. ومع ذلك، تسجّل الدوائر الفاتيكانية مآخذ على بعض السياسيين اللبنانيين، وحتى على بعض القيادات الكنسية، معتبرة أن الكنائس المشرقية لم تؤدِ دورها كاملاً في حماية صيغة الاجتماع اللبناني والوجود المسيحي، لا سيما في مواجهة الهجرة والانقسامات.

لكن ذلك لا يعني توجيه انتقادات علنية أو مكتوبة، بل يُكتفى غالباً بالتنبيه غير المباشر أو التحفظ في بعض الملفات، خصوصاً عند تعيين أساقفة أو إجراء تغييرات في البنية الكنسية المحلية، كما حدث في أكثر من مناسبة.

وتشير الأوساط أيضاً إلى أن بعض مسؤولي الفاتيكان يتحمّلون مسؤولية جزئية عن خلل العلاقة مع لبنان، بسبب اعتمادهم أحياناً على رأي طرف واحد دون غيره. أما عن العلاقة مع البطريرك الراعي، فتؤكد أنها تحسّنت في الآونة الأخيرة بعد فترة من الفتور، على خلفية محاولات من بعض الأساقفة لإيصال انطباع للفاتيكان بضرورة استقالته، وهو ما لم يحصل. وبعد تماثله للشفاء من العارض الصحي الأخير، يُتوقع أن يعمل البطريرك على تصويب بعض المسائل وتعزيز الثقة داخل الكنيسة.

ولا تخفي الأوساط الكنسية أهمية الرهان الفاتيكاني على الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون، في قيادته للبلاد نحو استعادة دور الدولة ومؤسساتها الشرعية بعيداً عن التعطيل. وتبدي الدوائر الفاتيكانية ارتياحاً كبيراً لانتخابه، لما يتمتع به من التزام بالقيم المسيحية والمبادئ الأخلاقية.

وتكشف المعلومات أن العماد عون كان الاسم الوحيد الذي استفسرت عنه الدبلوماسية الفاتيكانية بشكل غير مباشر من القيادات المسيحية قبيل انتخابه، مع الإشارة إلى العلاقة الممتازة التي تربطه بالسفير البابوي في لبنان، المونسنيور باولو بورجيا، منذ أن كان قائداً للجيش وحتى اليوم، رغم تحفظ الأخير المعروف في التعبير العلني
المصدر:أنطوان مراد
نداء الوطن

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top