المزاج السني في انتخابات بيروت.. اللاءات ترفع!!

بقلم خالد صالح

يُحكى أنّ “قصابًا” اشترى جملًا من السوق وذهب به إلى “المسلخ” لذبحه وبيع لحمه، ولدى وصوله إلى باب المسلخ رفض الجمل الدخول وعاندهم كثيرًا، ولم تنجح كل محاولاتهم حيث باءت بالفشل في إدخاله، فما كان من القصاب إلا أن طلب إحضار صاحبه الأصلي .
وعند وصول صاحب الجمل، أمسك رسنه وسحبه إلى الداخل فسار الجمل معه برفق ومن دون أي اعتراض، فهبّ الجميع بسكاكينهم نحوه، فتصدّى لهم الرجل رافضًا ذبحه، وقال لهم: لن أدعكم تذبحونه لأنني لن أغدر أبدًا بمن وثق بي حتى لو كان حيوانًا، ثم أعاد المال للقصاب وسحب الجمل مغادرًا المسلخ ..
السنّة ليسوا جِمالًا
لم تكن الانتخابات البلدية والاختيارية في بيروت مجرّد تجديد في الادارة المحلية للعاصمة، بل كانت محاولة “محبوكة” بعناية شديدة لتظهير مشهدية جديدة في بيروت ومصادرة مكشوفة لقرار أهلها تحت حجة “المناصفة” والمحافظة على التمثيل المسيحي، هذا في الظاهر، أما ما وراء الأكمة فكان أمرًا آخر، يكمن في محاولة التأثير على “المزاج السنّي” والايحاء أن “السنّة” في بيروت صار لهم قيادات جديدة .
منذ ما يعرف بـ “ثورة 17 تشرين” وما أفرزته انتخابات 2022، هناك سعيٌ دؤوب لجعل السنّة “ورقة ملحقة” في ركب السياسيين، أحزاب وتغييرين، خصوصًا بعدما حاول الجميع الإيحاء بأن الشارع السني “الغالبية المطلقة” أصبح من دون مظلّة سياسية إثر تعليق الرئيس سعد الحريري عمله السياسي أوائل الـ 2022 ومن ثم إحجامه وتيار المستقبل عن خوض الانتخابات النيابية في العام نفسه والبلدية الأسبوع الفائت، وأن “سوق” الناخب السنّي إلى صناديق الاقتراع أصبح يسيرًا، تمهيدًا لولادة “زعامة” جديدة له تذوب في تآلف الأحزاب .
لذلك شكّل “الخرق” الذي أحدثه العميد محمود الجمل “صفعة مدوية” للائحة “بيروت تجمعنا” التي جمعت الأضداد بشكل فاضح بحجة المحافظة على المناصفة، وسحب الصوت السني “الوكالة” التي أعطاها للتغييرين بعدما ظهرت عيوب أدائهم لعدم امتلاكهم لأي رؤية موحدة، إضافة إلى ضعف تنظيمهم وفقدانهم للواقعية الشعبية، فظهروا “عراة” أمام تكتل الأحزاب وبانت الفجوة الكبيرة بينهم وبين الناس، فأعلن “السنة” العصيان وفق طريقتهم وذهبوا في منحنىً آخر كمؤشر للمرحلة المقبلة، ليس نسفًا لفكرة التغيير بل للأداء العقيم الذي شهدوه، وأن زعامة بيروت معقود لواؤها لـ “سعد الحريري” فقط .
اهتزاز وثبات
أظهرت نتائج الانتخابات البلدية أن “المزاج السنّي” دقيق ومتقلّب و “خائب” في الوقت نفسه، فقد عقد الكثير من الآمال على “الأصوات التغييرية” بحثًا عن قيادة قريبة من هموم الناس، لكن آماله ضاعت في “متاهات” الأحزاب التي أرادت تحويله إلى “عدد” يُقرّش فقط المعارك الانتخابية من دون أن يكون له أي تأثير بالمباشر أو غير المباشر على صناعة القرار، فرفع لاءَاته في وجه الجميع:

  • أولًا في وجه الأحزاب المجتمعة بشكل “هجين” في لائحة المتناقضات موجهًا رسالته العريضة، بيروت وأهلها هم من يصنعون القرار ولا إمكانية لأحد بمصادرة هذا الحق .
  • ثانيًا في وجه التغييرين الذين تسلقوا على آلام “البيارتة” وأوهموا الناس أن الزعامات التقليدية ذهبت إلى غير رجعة .
  • ثالثًا في وجه الطامحين دائمًا لرئاسة الحكومة فأعادوهم إلى حجمهم الطبيعي وحدوده “كرسي نيابة” مدفوع ثمنه ملايين الدولارات .
  • رابعًا إلى كل من يعتقد أن “الحريرية” انتهت وأن تيار المستقبل تلاشى واندثر بأن هذا النهج متغلغل ومتجذّر في العقول والقلوب، وأن الكلمة الفصل ستكون في الانتخابات النيابية المقبلة .
    وبينما أظهرت القواعد الشعبية للحريرية ثباتها ظهر في المقابل اهتزاز كبير لدى بقية الأفرقاء، وما النتيجة التي حققها العميد الجمل إلا مؤشر على أن الصوت السنّي سيكون له الكلمة الفصل وتحديدً في العاصمة بيروت .
    نتائج وحسابات
    أفضت الانتخابات البلدية في بيروت إلى نتيجة واضحة تمثّلت في تراجع النسب التمثيلية للأحزاب المسيحية مجتمعة، لأن الصوت المسيحي ذهب باتجاه لائحة “بيروت مدينتي”، فالأحزاب لجأت إلى إئتلاف واسع مع الخصوم بصورة لا قواسم مشتركة فيها وتحديدًا بين القوات اللبنانية وحزب الله، بينما الشارع البيروتي عمومًا والسنّي على وجه الخصوص كان في وادٍ آخر، فعبّر بطريقته الخاصة عن رؤيته وتطلعاته ورفض أن يُساق كـ “الجمل” إلى المذبح بلا حول ولا قوة .
    صحيح أن محاولة هذه الأحزاب بتكريس المناصفة قد نجحت إلى حدٍّ ما، لكن هذا النجاح كان في غير وجهته، لأن الحقيقة هي الادعاء بأن “الحريرية” ليست وحدها الساعية لهذا الأمر، لكن الأحزاب أثارت حفيظة المزاج السنّي الذي ستكون له اليد الطولى في الاستحقاق النيابي المقبل خصوصًا إذا ما قرر الرئيس سعد الحريري مشاركته وتيار المستقبل فيها، حينها على الجميع إعادة حساباتهم، لأن مشهدية بيروت الـ 2000 تكاد تكون قريبة جدًا .ِ

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top