
كان من المفترض أن يُنزع السلاح الفلسطيني مع انتهاء الحرب اللبنانية وإقرار “وثيقة الوفاق الوطني” التي نصّت على حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها للدولة خلال ستة أشهر. لكن انقلاب حافظ الأسد على “اتفاق الطائف” أتاح بقاء ثلاثة جيوش غير شرعية في لبنان: قوات النظام السوري، “حزب الله” كميليشيا إيرانية، والفصائل الفلسطينية.
في حين استغل نظام الأسد انقلابَه لتحقيق هدفه بضم لبنان إلى سوريا، سمح تحالفه الاستراتيجي مع إيران باستثناء “حزب الله” من تسليم السلاح، حفاظًا على نفوذ مشترك. لكن يبقى السؤال: لماذا أبقى الأسد ومن بعده “الحزب” على سلاح الفصائل الفلسطينية؟ ولماذا وضَعَا خطوطًا حمراء حول هذا السلاح، خاصة في ظل مواقف نصرالله من معارك مثل حرب “البارد”؟
يمكن تفسير تمسك الأسد والخامنئي بسلاح الفصائل الفلسطينية عبر ثلاثة أسباب رئيسية:
أولاً، التدخّل في الشأن الفلسطيني عبر شقّ الصفوف بين الحركات والفصائل، لتخضع لأوامرهما، ما وفر ضغطًا مستمرًا على القيادة الفلسطينية من أبو عمار إلى أبو مازن.
ثانيًا، الاستخدام الأمني للمخيمات، حيث يتم استهداف الفلسطينيين باللائمة بدلاً من “الممانعة”، كما تُستخدم المخيمات لإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، لتوجيه رسائل من دون رد مباشر على “حزب الله”، كما حصل في مارس 2025.
ثالثًا، الأسباب الحُججية والذرائعية، حيث ادعى الأسد أن وجود جيشه في لبنان يحمي المسيحيين من السلاح الفلسطيني، مما شكّل غطاءً للرعاية. ومنع “حزب الله” تنفيذ بند نزع السلاح الفلسطيني، متذرعًا بعدم جواز نزع سلاحه قبل نزع سلاح الفلسطينيين.
زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس الأخيرة إلى لبنان، وتكرار موقفه الرافض للسلاح الفلسطيني داخل وخارج المخيمات، وتمسكه بسيادة الجيش اللبناني، تختلف هذه المرة عن سابقاتها، لأن السلطة اللبنانية باتت تملك القرار بشكل واضح لأول مرة منذ 1990، بعدما كان هذا القرار في السابق بيد نظام الأسد أولًا، ثم “حزب الله” ثانيًا.
السلطة الفلسطينية كانت دائمًا داعمة لسيادة لبنان واستقلاله، لكن القرار كان محتجزًا بيد الأسد أولًا، ثم “حزب الله”. ولولا استسلام “الحزب” في نوفمبر 2024، وتراجع نفوذه، لما تحقق التغيير في الموقف.
من يمنع نزع السلاح الفلسطيني ليس السلطة الفلسطينية التي تدعم بسط سيادة الدولة، بل أنظمة الأسد والخامنئي. ومع تغير الموازين الإقليمية، ومع “طوفان الأقصى” الذي غيّر المشهد، بدأت مرحلة نزع السلاح الفلسطيني.
لكن نزع سلاح الفصائل الفلسطينية لا يعني تعليق تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي يطالب بتفكيك البنية العسكرية لـ”حزب الله”، الذي يبقى الأولوية الوطنية والدولية لإزالته. فالمرحلة الجديدة هي نتيجة هزيمة “الحزب” وتراجع مشروعه المسلّح، ومن علامات هذا التراجع بداية نزع السلاح الفلسطيني.
المصدر : شارل جبور- نداء الوطن
