فزاعة “ضمّ طرابلس” وتفكيك المنطقة: إعادة إنتاج وهم الأقليات في زمن الانفتاح

بقلم رفيق عبدالله – ديموقراطيا نيوز

في الأيام الماضية، أثارت وسيلة إعلامية إسرائيلية جدلاً واسعًا بعدما نشرت خبرًا يفيد بأن من بين شروط اتفاق سلام محتمل بين “سوريا الجديدة” وإسرائيل، إعادة جزء من الجولان إلى الدولة السورية مقابل ضمّ مدينة طرابلس اللبنانية إلى سوريا. ورغم الغرابة الفادحة في هذا الادعاء، إلا أن خطورته لا تكمن في محتواه بقدر ما تكمن في سياقه وأهدافه السياسية المضمَرة.

المحطة التي بثت الخبر هي i24news، وهي وسيلة إعلامية ناطقة بعدة لغات وتتبع لجهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي (الموساد)، ما يضعنا أمام محاولة ممنهجة لتسويق هذا الطرح ضمن سياق إقليمي بالغ الحساسية. الهدف من ترويج مثل هذا الادعاء يتعدى مجرد التلاعب الإعلامي؛ إنه جزء من استراتيجية متكاملة تهدف إلى الضغط على الأطراف كافة:
دفع حزب الله نحو التصلّب في موقفه الرافض لتسليم سلاحه، وتبرير أي ضربة عسكرية ضده، وفي الوقت ذاته الضغط على أحمد الشرع—الواجهة الجديدة لسوريا المدنية المقبلة—في المفاوضات الجارية حول مستقبل الجولان المحتل.

لكن الأخطر من ذلك هو ما يحمله هذا الطرح من دلالات تتجاوز المفاوضات السورية-الإسرائيلية، ليمسّ عمق التركيبة النفسية والسياسية في المشرق. ففكرة “ضم طرابلس”، المدينة التي طالما وُصفت في الأدبيات السياسية والإعلامية كمركز للهوية السنية، ليست سوى استدعاء ممنهج لفزاعة التمدّد السني، بهدف تخويف المكونات الطائفية الأخرى، ودفعها مجددًا إلى التمترس خلف تحالفات الأقليات، وإحياء سرديات الخوف من حكم الأكثرية.

هذه الفزاعة ليست جديدة. فمنذ إعلان وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس عام 2006 عن “الشرق الأوسط الجديد” و”الفوضى الخلّاقة”، عمدت أنظمة القمع في المنطقة إلى تشويه الخطاب الغربي الذي كان يهدف إلى تفكيك الاستبداد، فحوّلته إلى مزاعم حول مؤامرة لتقسيم الدول على أسس طائفية. وقد استخدمت هذه المزاعم كذريعة لتثبيت الاستبداد، وتخوين أي حراك إصلاحي، وتبرير التحالفات غير الطبيعية بين الأقليات المتخوفة من المستقبل.

اليوم، يعاد إحياء هذه النظرية ولكن بوجه جديد: وجه النظام السوري المدني الجديد، ممثلًا بأحمد الشرع، الذي لا يبشّر بحكم طائفي، بل بنموذج وطني مدني عابر للهويات الضيقة. لذلك، فإن تصوير هذا النظام كـ”متسلّط توسّعي”، يطمع بضم طرابلس، لا يمكن فصله عن محاولة لتشويهه في وعي الأقليات، وخاصة المسيحية والعلوية والكردية، ودفعها إلى اعتبار أي نموذج غير قائم على المحاصصة أو الامتيازات، تهديدًا وجوديًا لها.

إسرائيل ليست خارج هذا المشهد، بل في قلبه. فهي المستفيد الأول من تعميق شعور الخوف لدى الأقليات، بما يبرّر وجودها كـ”دولة يهودية وسط محيط معادٍ”، ويعزز خطابها الداخلي القائم على أن المنطقة تحوي “دولًا طائفية نقية”، ما يفتح الباب أمام مشروع تهجير ما تبقى من عرب الداخل الفلسطيني، بحجّة أن بإمكانهم العودة إلى “أوطانهم الطائفية”. وبذلك، تخدم هذه الرواية في آن واحد:
• أنظمة القمع التي تبرر بقاءها بحجة العدو الخارجي،
• نخب الطوائف التي ترى في أي مشروع وطني تهديدًا لامتيازاتها،
• إسرائيل التي تسعى إلى شرعنة يهودية الدولة،
• وحلف الأقليات الذي يرفض أي تغيير يُعيد الاعتبار للأكثرية السياسية والاجتماعية في المشرق.

اختيار طرابلس تحديدًا ليس بريئًا. فالمدينة التي قاومت المركزية في لبنان وسوريا، وتحمّلت كلفة هائلة نتيجة صورتها النمطية، تُستخدم الآن كورقة تخويف، وكأنها “رأس حربة” في مشروع توسّع طائفي. وفي ذلك، تحميل ضمني لهاوية لا تمثلها، ومساهمة في تكريس سردية الخوف الطائفي، بدلًا من قراءة التحولات السياسية برؤية وطنية شاملة.

إن ما يُطرح اليوم من خرائط جديدة وفزاعات قديمة لا يخدم السلام، ولا يحصّن التنوع، ولا يؤسس لأي مستقبل ديمقراطي. بل يعيد إنتاج ثقافة الذعر الجماعي التي عطّلت شعوب المنطقة لعقود، ومنعت قيام أنظمة عادلة ووطنية.
نحن بحاجة إلى خطاب جديد:
• يرفض الاستبداد دون أن يُثير الفزع،
• ويدافع عن التعدد من دون تسويق للخوف،
• ويؤمن بالسيادة من دون التعلق بالخرائط المهترئة.

فالمنطقة لا تحتاج إلى خرائط جديدة بقدر ما تحتاج إلى رؤية جديدة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top