
بقلم جوزاف وهبه
إذا كانت هناك في الحياة العاديّة “شؤون وشجون” كما يُقال، ففي بلدية طرابلس “شجون وشجون” باتت تحاصر “الشريكين اللدودين”، رئيس البلديّة عبد الحميد كريمة ورئيس إتّحاد بلديّات الفيحاء المهندس وائل الزمرلي، وكلاهما وافد من “تجارب خاصة” بالرغم من وجود كريمة حوالي 9 سنوات في المجلس السابق، إلّا أنّه كان على الهامش بعيداً عن “تعقيدات القرار” المحصورة غالباً في شخص الرئيس!
تنافسا على “المركز”، مستعملين كلّ أدوات الصراع التقليدية:الخيانة، الإتّهام بشراء الذمم، التدخّل السياسي، ورفضy نتائج اللعبة الإنتخابيّة، وصولاً إلى التهديد بالإستقالة..وفي الختام الإستكانة إلى “الفتوى الشرعيّة” التي وفّرها للائحتين الفائزتين المفتي الشيخ محمد إمام:هذه لك (أي رئاسة البلديّة) وهذه له (أي رئاسة الإتّحاد).وهكذا استقرّت التسوية على “رئيسين” لا بدّ أن تجمعهما المصيبة، بالرغم من التباعد الشخصي الذي حصل!
بوادر المصيبة (أو المصائب) قد بدأت بشائرها تلوح “على أرض الواقع”:
-جدول أعمال للمجلس البلدي، يحتلّ البند الأوّل فيه “موضوع تعويضات الرئاسة ونائب الرئيس” يعني تحسين الوضع الشخصي للرئيس كريمة (حسناً فعل الرئيس ونائبه بتأجيل البتّ بالموضوع)، فيما يغرق العاملون في اتّحاد البلديات في أزمة رواتب، وقد حاول الرئيس الزمرلي أن يخفّف من وطأتها ب “صحن كنافة”، فقامت الدنيا ولم تقعد وسط تعجّب واستغراب من صاحب “اللفتة الكريمة” الذي يبدو أنّه لم ينتبه إلى أنّ العلاقات “في المكتب الخاص” تختلف 360 درجة عن تلك القائمة “في الشارع العام”.عقليّة إدارة القطاع الخاص تكون رافداً لتطوير القطاع العام عندما يكون القيّم ضليعاً وصاحب تجربة أعمق من خط نقليّات بين طرابلس والكورة، أو من مساومة مع زبون يملك المال ويريد أن يشتري ما لا يملكه، وليس مع عامل يفتّش عن لقمة عيش لا يجدها بالسهولة المفترضة!
-ثمّة معركة (أشبه بالردح المتبادل) تدور بين عضو البلدية السابق الدكتور خالد تدمري وأحد الأعضاء الحاليين الذي وزّع بياناً يدّعي فيه تسجيل “نصر قومي غير مسبوق” بتسمية ساحة مستديرة النيني بساحة شهداء غزّة، ليكشف الدكتور تدمري أنّ المجلس البلدي الأسبق (برئاسة المهندس الراحل رشيد جمالي) سبق له أن أقرّ التسمية، وما يدّعيه عضو المجلس المهندس سامر خلف (رئيس لجنة تسمية الشوارع) يُحتسب ضمن خانة “إنتحال إنجاز”..عدا عن سؤال إضافي:ما الفائدة من إلغاء تسمية “مستديرة النيني” وهو شخصيّة طرابلسيّة مرموقة، وكان الأجدى البحث عن مستديرة أخرى لا تسمية لها بدل ارتكاب خطأين:إلغاء دور شخصيّة تستحقّ الحفاظ على إسمها (الإلغاء يصحّ في حالة جادة حافظ الأسد مثلاً..)، والاستيلاء على إنجاز قام به الأسبقون!
-لجنة تخمين أسعار العقارات والأبنية برئاسة المهندس مصطفى فخر الدين:وهنا إشكاليّة أخرى تطرقّ إليها بعض الناشطين، وتتعلّق بجمع فخر الدين بين تعارضين، ألأوّل أنّه صاحب مصلحة كونه فاعلاً في مهنة البناء، والثاني أنّه الجهة التي ستخمّن الأسعار والكلفة، فكيف يمكن له أن يكون عادلاً، ولو أراد ذلك ستلاحقه الشبهة.عدا عن أنّ القوانين المرعيّة تمنع هذه الإزدواجيّة..فلماذا سقط المجلس في هذه التجربة؟
-إنّ حرق الدواليب المفتعل (أو المستمر لمصلحة بعض المحظيين) رافقه الكثير من التساؤلات إلى حدّ إتّهام بعض الأطراف ذات الصلة بالبلديّة أنّها وراء “حالة الإختناق الأخيرة” التي عاشها سكّان المدينة، وذلك ربطاً بصراعات تدور حول “مركز حسّاس” في السلّم الإداري للبلدية.الدعوى التي تقدّم بها المجلس لدى الجهات القضائيّة المختصّة قد تكون خطوة مشجعة ومناسبة، شرط الوصول بها إلى كشف الفاعل (أو الفاعلين) واتّخاذ الإجراءات المناسبة بحقّهم، بعيداً عن المساومة أو الخوف!
سلسلة القضايا التي تتسارع، والتي لا يتحمّل مسؤوليّتها بالطبع المجلس الجديد، إلّا أنّها تدقّ ناقوس الخطر للوافدين الجدد بأنّ العمل البلدي (كما هي حال كلّ العمل في الشأن العام) ليس “شهر عسل” ويفترض به أن يكون قد انتهى مع اختتام موسم التهاني، ولا يحتمل ترف الوقت، ولا يقوم فقط على “إجتماع طارئ..وبيانات شديدة اللهجة”، بل يحتاج في الحقيقة إلى “خلطة سحريّة” تجمع بين الشجاعة والأعجوبة، لأنّنا على مدى السنوات الخالية قد وصلنا إلى القاع، ونحتاج إلى مَن يُخرجنا ولو على طريقة “خطوة خطوة”:فهل أنتم بالفاعلين، أيّها “الرئيسان” ويا أيّها الأعضاء الكرام؟
