
بقلم جوزاف وهبه
لا خوف على مدينة طرابلس، أو على ابتلاعها من قبل هذا الجار أو ذاك.لقد ولّى زمن “الأسد”، ولم يتمكّن من فعل ذلك.في يوم، في يومين، في جمعة جرجر ذيوله من الأميركان ومار مارون والهيكليّة، وكلّ لبنان.سوريّا اليوم غير سوريّا الأمس، ليس بالعواطف والتمنّيات، وإنّما بواقع الحال:أحمد الشرع أمام تحدّيات قصوى، ولا وقت أو قدرة لديه للنظر خارج حدوده. بالعكس تماماً هو يسعى جاهداً، بكلّ السبل والتنازلات، للحفاظ على تبقّى لديه بعد أن امتدّت اليد الإسرائيليّة لتنقضّ على ما بعد الجولان الذي تخلّى عنه، ذات مرّة، الرئيس الراحل حافظ الأسد مقابل الحفاظ على حكمه، والذي استمرّ – بفضل هذا التنازل الكبير – لمدةّ نصف قرن من الزمن، إلى أن جاء الوريث بشّار الأسد، فأخطأ الحسابات ما بين طهران وموسكو، إلى أن قضى بالضربة التركيّة القاضية.
ما روّجته إحدى الصحف الإسرائيلية لا يعدو كونه تركيبة إعلاميّة مثيرة بُنيت على فرضيّة غير ممكنة:الشرع يطالب بضمّ طرابلس الشام مقابل تخلّيه النهائي عن الجولان وعن التموضعات الإسرائيليّة المستجدّة..فهل ميزان القوى القائم (عسكريّاً وإقتصاديّاً، مع ملايين السوريين النازحين الذين لا بدّ أن يعودوا إلى بلادهم..) يسمح له بترف المقايضة، أو ضمّ شعب آخر إلى حكمه، وهو يسعى جاهداً لتركيز سلطته أوّلاً، وإلى شيء من التنمية ثانياً، وإلى حملة إعمار ثالثاً تُعيد شعبه النازح إلى كلّ أقاصي الأرض؟
عدا ميزان القوى الذي لا يسمح، ثمّة سؤال آخر:هل تغيير “الجغرافيا” شأن يعود إلى اللاعبين المحلّيين، أم هو حكر على الدول العظمى، والتي تكاد تُختصر – في هذه المرحلة من الزمن – بالولايات المتحدة الأميركية بإدارة حاكم إستثنائي في البيت الأبيض؟ ربّما واشنطن وحدها تقرّر إعادة النظر بسايكس بيكو وغيرها من الإتّفاقيات الدولية.ولا شيء بتاتاً يشي بأنّ هناك مَن يطرح أو يتداول مثل هذه الأفكار.
نستنتج ممّا ورد أنّه لا داعي للهلع.ولا داعي للغرق في فنجان مقالة إسرائيليّة.ولا داعي للسقوط في لعبة التخويف من الحكم السوري الناشئ الذي يحتاج إلى الإحتضان أكثر ممّا يحتاج للتوجّس من أطماعه.الحديث عنه يشبه الحديث عن داعش.كلاهما “فزّاعتان” يستعملهما حزب الله (ومن ورائه كامل العقل الممانع) للوصول إلى خلاصة تقول بالحاجة إلى إبقاء السلاح خارج الدولة بعد أن فقد دوره المفترض في مواجهة العدوّ الإسرائيلي، للإنتقال إلى دور جديد يتمثّل بتوفير الحماية تارةً من مخاطر نظام الشرع، وطوراً من خلايا نائمة أو مستيقظة للتنظيم الإسلامي التكفيري!
طرابلس في أمان، ولكن هل هي في خير؟
هي ليست كذلك.ثمّة غياب شبه تام للقوى السياسيّة التي يُفترض بها أن تكون العين الساهرة على كلّ أوجه الحياة في المدينة.في الإستحقاق البلدي الأخير، غاب نوّاب المدينة وغاب العامل السياسي، مخلياً الساحة للمرجعيّة الدينيّة (وهي مشكورة) لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المؤسسة البلدية.سماحة المفتي الشيخ محمد إمام أدار التناقضات البلدية التي أسفرت عنها النتائج المتقاربة، وصولاً إلى برّ الأمان الذي تمثّل بالقسمة الرئاسيّة بين اللائحتين:عبد الحميد كريمة لرئاسة المجلس البلدي، ووائل الزمرلي لرئاسة إتّحاد بلديّات الفيحاء.ماذا لو لم يبادر سماحة المفتي، أما كنّا سقطنا في تجربة الفراغ البلدي؟ كيف يمكن لسياسيّي ونوّاب المدينة أن يتخلّوا عن أكبر مرفق عام على تماس مباشر بالسياسة وبحاجات الناس؟ كيف يبرّرون غيابهم التام، وكيف يعاودون كرّة الترشّح للمقعد النيابي، طالما أنّهم لا يريدون (أو عاجزون) عن الإمساك بكرة النار التي هي من صميم مهامهم في تمثيل مصالح الناخبين؟
طرابلس، في الأشهر الأخيرة، شهدت وقائع كثيرة تنبئ بأنّها ليست في خير:حريق محلّ ريتيكا في شارع نديم الجسر أمام أعين الأمن.تظاهرة غير مبرّرة في الميناء تمنع حفلاً ثبت بالملموس أنّ “تهمة التجديف” مجرّد افتراء.إستمرار المستفيدين من حرائق البور في متابعة أعمالهم في تسميم أجواء المدينة، دون أن نفهم مَن هم هؤلاء (الأشاوس) الذين تقدّم المجلس البلدي بدعوى بحقّهم ، آملين أن نشهد فاعلين يُساقون إلى قوس العدالة..
اللائحة تطول، مع ضرورة تسجيل بعض الإيجابيّات:
-وقف إطلاق الرصاص في الهواء، عند كلّ مناسبة، والذي طالما تسبّب بعشرات الضحايا وبالقلق الأمني الدائم.والفضل في ذلك يعود إلى التشدّد الأمني الذي رافق تبدّلاً في وجوه القيادات الأمنية.
-بدء المعركة مع أصحاب المولّدات، على أمل الوصول بها إلى نهايات تصبّ في مصلحة المشتركين على حساب جشع وتسلّط هذه “المافيا” الناشئة.والفضل في ذلك يعود إلى إزاحة “الشريك المضارب” المحافظ السابق رمزي نهرا، وإلى متابعة المحافظ بالوكالة إيمان الرافعي لهذا المطلب الشعبي الحسّاس.
ما نلمسه، أنّ كلّ الإيجابيات لا تعود إلى الأداء السياسي، وإنّما إلى مبادرات دينيّة أو أمنيّة أو إداريّة.طرابلس بلا سياسة تبقى غير محصّنة، ويبقى التوصيف أنّها ليست بخير.
الحديث عن صفقة تقتلع المدينة من “أمان” الجسم اللبناني هو مجرّد وهم لا يستحقّ التوقّف عنده.أمّا عن “خير” المدينة، فما علينا سوى انتظار الإستحقاق الإنتخابي في أيّار 2026، فهل تُحسن المدينة الإختيار!؟
