في عالم سمته التوحش. الانتظار على قارعة الطريق مليء بالأخطار.

بقلم د. طلال خواجه- ديموقراطيا نيوز

في ١٣ حزيران المنصرم انصبت وسائل الإعلام التقليدية من محطات واذاعات و صحف في العالم، فضلا عن الاف المواقع و وسائل التواصل الاجتماعي على الحدث الاهم والمتعلق بالحرب الاسرائيلية الايرانية التي بدأتها اسرائيل حين شنت هجوما مفاجئا على المواقع النووية والعسكرية والامنية و منازل مسؤولين امنيين و علماء، و صولا لمجلس الامن القومي الايراني قبل يومين من الحلقة الخامسة من المفاوضات الاميركية الايرانية حول ابرام اتفاق نووي جديد.

فقد تحولت شاشات التلفزة في معظم المحطات، خصوصا في المرجل الشرق اوسطي الى مرآة متقطعة للمدن الاسرائيلية وللمدن الايرانية، خصوصا تل ابيب و حيفا و بئر السبع، و ايضا طهران وتبريز و قم، مصحوبة ببعض صور الدمار الذي كانت تحدثه الصواريخ الايرانية القليلة التي تنجو من الاعتراض الاسرائيلي و الاكيد الاميركي، و ما صاحب هذا الدمار من بضع عشرات من القتلى و الاف قليلة من الجرحى، فضلا عن مشاهد الاسرائيليين المهرولين نحو الملاجئ على أصوات صفارات الانذار، مصحوبة احيانا ببعض مشاهد الهلع، علما أن بضعة الاف من النازحين الاسرائيليين اجلوا الى الأوتيلات لأنهم اصبحوا بلا مسكن.
و اذ لا يمكن اغفال الاثارة في مشاهد الدمار والهلع في “المدن الاسرائيلية” فإن هذه المشاهد جرى توظيفها في المواجهات السياسية والاعلامية والنفسية، كل حسب مصلحته.
فبينما جرى تضخيم نتائجها في الاعلام الايراني، تلاعب بها الاعلام الاسرائيلي، فاحيانا ضخمت لاستدرار العطف و ابراز “همجية” الفاعل الايراني كما فعل مندوب اسرائيل في الامم المتحدة في موضوع مستشفى سوروكي، و كأن اسرائيل تقصف المدن الايرانية بالشوكولاتة، علما انها قصفت بضع مستشفيات و مصافي نفط و مراكز اعلامية ووزارات و عرضت المنطقة بكاملها لخطر الاشعاع النووي بقصفها للمنشآت النووية الايرانية.
كما أن دخول الولايات المتحدة الاميركية و قاذفاتها الاستراتيجية على خط الهجوم على مفاعل فوردو و أصفهان و نطنز زاد الامور اثارة وغموضا و رعبا، خصوصا مع جنون العظمة المتضخم عند ترامب ونتانياهو والرغبة بالسيطرة الجيوسياسية في الشرق الاوسط الغني بكنوزه النفطية و غير النفطية وبثقافات شعوبه الغارزة في التاريخ، فضلا عن صراع الالهة والأديان و الحضارات التي انطلقت من هذا الشرق ومن الحوض المتوسطي عابرة القارات والمحيطات.
خلال اثني عشر يوما من الحرب الايرانية الاسرائيلية اختفت غزة عن الشاشات وهي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن المدن الاسرائيلية التي اصيبت بالقليل من الدمار . فمشهد غزة المغروزة في التاريخ القديم منذ الاف السنين تحول الى مشهد ما بعد ابوكاليبتي، ليس فقط من الدمار المروع والغير مسبوق الذي احدثته الة الرعب الاسرائيلية/ الاميركية في عملية العقاب الجماعي المتوحش على طوفان حماس، بل باستمرار الاجرام اليومي في مراكز الاذلال الغذائي التي اصبحت مصيدة للقتل والقهر والتعذيب النفسي والجسدي، خصوصا للنساء و الاطفال، في محاولة لقلب المفاهيم و تحويل التهجير الى خلاص على الطريقة النازية.
حين فكرت بهذه الكلمات كنت انظر الى محطات التلفزيون تتكلم عن سقوط ٥ جرحى في تل ابيب و قتيلين وبضعة جرحى في قم في اليوم التاسع من الحرب، و كانت الة التوحش الاسرائيلية قد حصدت دون شوشرة ٥٨ فلسطينيا، بعضهم دفن تحت الانقاض التي باتت تحتضن عشرات الاف الغزيين على ما يعتقد، وبعضهم قتل امام مسلخ الذل والتعذيب الغذائي الذي أنشأته اسرائيل بدعم اميركي بعد تهميش و ابعاد و قصف مراكز الامم المتحدة والمنظمات الانسانية الاقليمية و الدولية المتخصصة في غزة.
في الواقع فان عملية الابادة و التعذيب الجماعي في غزة تتكرر يوميا ودون توقف، رغم تحولها الى اخبار عادية في معظم وسائل الاعلام العالمية، كما ترافقها اعمال قتل وتدمير و جرف واستيطان في معظم مخيمات و مدن وقرى الضفة الغربية، و كأن مسلسل الآلام و التعذيب والصلب الروماني عاد بعد اكثر من الفيتين الى ارض القداسة ولكن بطريقة اكثر وحشية تتناسب مع التوحش النيوليبرالي المترافق مع التطور التكنولوجي و الذكاء الاصطناعي و جنون العظمة.
و هذا التوحش، و ان كان يتغذى من الكثير من الافكار والأعمال المتطرفة من كل الضفاف، ومن العوامل والديناميات الجيوسياسية، الا انه مؤشر لتضاؤل العامل الانساني والاخلاقي في صياغة توازنات العالم الجديد امام عصف المصالح و القوة الغاشمة التي تفرضها، خصوصا حين يتعلق الامر بإسرائيل على ما أشار المؤرخ الاسرائيلي Ilan pappe. اليست مفارقة مذهلة ان يطلب نتانياهو الملاحق بجرائم ضد الانسانية جائزة نوبل للسلام للرئيس ترامب الذي يعاقب المحاكم الدولية لتجرئها على اسرائيل و على قادتها؟
لا اغفل عن مظاهر وحيوية الرفض الشعبي و النخبوي في الغرب لهذا التوحش و ما يرافقه من تعدي صارخ على حرية التعبير، بما فيها من نخب يهودية( مؤتمر فيينا الاخير على سبيل المثال)، و مؤخرا بتنا نسمع بعض الاعترافات حول وصف مذبحة غزة بالابادة من افواه بعض الشخصيات و المسؤولين الاوروبيين،
و منهم من تفلت منذ البداية من شبكة العنصرية و الشعبوية التي تجتاح شرائح من الانتلجنسيا الغربية في مرحلة التحولات الجيوسياسية الكبرى في العالم، خصوصا في الولايات المتحدة و بريطانيا والمانيا و فرنسا, اي في قلب العالم الغربي.
و بعض المسؤولين الاوروبيين استنكر أو ادان و لجأ لمعاقبة، وان صورية، لشخصيات سوبر متوحشة مثل سموتريتش و بن غفير، وهما على كل مدانان في محكمة اسرائيلية بتهمة الإرهاب، ولكن ربما لأسباب “تخفيفية ديمقراطية” فإن الإثنين ينفذان “محكوميتهما” في حكومة بنيامين نتانياهو الملاحق من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة المجازر و من المحكمة الاسرائيلية بتهمة الاختلاس، علما انه يطيل فترة هروبه من الملاحقة بتمديد امد المذبحة الغزاوية و لو على حساب حياة الرهائن الاسرائيليين الذين قضت نيران قواته على الكثير منهم.
و اذ تبدو خطوات جارتنا اوروبا، للتأثير في الشرق الاوسط و حروبه واحداثه المتلاحقة بطيئة و مترددة و قليلة الفعالية بالنظر للهيمنة الاميركية الترامبية التي تستعمل العصا و الجزرة مع معظم اللاعبين، فانه لزاما علينا كلبنانيين اساسا و كعرب و كشرق اوسطيين اعادة تقييم و استكشاف افاق المرحلة و استنتاج الخلاصات و اتباع السياسات التي تساعدنا على العبور الى المرحلة الجديدة البادئة بالتشكل على صفيح ملتهب.
في الواقع فان ما اصاب المنطقة، و خصوصا هلالها المشرقي ليس اقل من زلزال جيوسياسي، و ان تراوحت اثاره و تداعياته و تردداته على بلدان المنطقة كل حسب واقعه و موقعه الجيوسياسي.
المقال لا يطمح لبحث عميق في الافكار والمفاهيم والمنطلقات والمقاربات والمفارقات التي حكمت رؤيتنا و مطالعاتنا الوطنية والقومية والاسلامية منذ انهيار السلطنة العثمانية و تشكل الدول والكيانات في المنطقة، بما فيها الكيان الاسرائيلي تحت اشراف الدول المنتصرة، خصوصا بريطانيا و فرنسا ولاحقا الولايات المتحدة.
هذا عمل قام به و يتابعه باحثون مختصون. و لحسن الحظ فان العالم الحديث رغم توحشه انتج مؤرخين غربيين و عرب و حتى اسرائيليين مستقلين لهم اسهاماتهم الانسانية والموضوعية التي تواجه السرديات الغربية و الصهيونية، دون ان تؤيد بالكامل جميع سردياتنا التي يميل بعضها للمبالغة والغلو و غالبا للندب والاحباط.
ما يرتسم امامنا ليس اقل من مقدمات هزيمة لمحور اقليمي تزعمته ايران الخمينية و ساهم في عرقلة التقدم والتحديث ولو البطيء في مجتمعاتنا و في ايقاظ وليس يقظة قوى التخلف والتطرف على الضفتين، خصوصا في دول الطوق التي عانت من تداعيات الهزائم والنكبات والاحتلالات، فضلا عن “الغزوات و المغامرات القاتلة” التي قام بها انصاف الهة رحلوا جميعا، بما يفوق طاقات هذه الدول على التحمل و يهدد سلامة مجتمعاتها و نسيجها الاجتماعي بالتمزق و يضعها امام اخطار وجودية.
و في مقدم هذه الدول يبرز لبناننا الذي نعم بنصف مئوية مزدهرة بسبب من بعض ميزاته و من موقعه الجيوسياسي، و تحول في النصف الثاني من المئوية الى ساحة دموية تناطحت على حلبتها ثيران هائجة وكادت ان ترميه صريعا، لولا تمسك اكثرية بنيه بسلاح الدستور وبانتمائهم الى نظام المصلحة العربية و بانفتاحهم على المجتمع الدولي. وللاسف فان حزب الله ما زال يعلن تمسكه بالسلاح المستتبع لايران رغم عجزه الفاضح عن مواجهة الوحش الاسرائيلي الذي استجره هذا الحزب باسناده الوهمي لغزة.
فهذا السلاح اصبح بلا وظيفة رغم الرغبة الايرانية بمتابعة الاستثمار، فقد بات اجله محدودا مهما علا الصراخ و مهما اخترع له من مبررات. فاما ان يسلم للشرعية الدستورية و نذهب جميعا نحو استعادة الدولة مظلتنا جميعا و انقاذ البلد المتداعي بالتعاون مع الاشقاء والاصدقاء، و اما تركه باعثا للفتن و فريسة للوحش الاسرائيلي مع ما يستجر ذلك من دمار وآلام و مآس.
لطالما تفهمنا و أيدنا المقاربة الهادئة والسلمية لموضوع جمع السلاح و حصره بيد القوى الشرعية مراعاة للبيئة الشيعية المكسورة ودرءا للمخاطر المتربصة، الا اننا بتنا نلمس تراخيا سياسيا على مستوى السلطة في هذا الموضوع و كان الارباك واضحا في موضوع الرد على الورقة الاميركية، خصوصا ان قادة حزب الله يطرحون في العلن تفسيرا مختلفا لحصرية السلاح، و يربطون سلاحهم بأهزوجة الاستراتيجية الدفاعية، ما يهدد بنتائج معاكسة في الداخل اللبناني و في المحيطين العربي والدولي حيث التفسير الوحيد الجامع هو تسليم السلاح و تفكيك البنية الامنية والعسكرية للحزب و مساواته ببقية الاحزاب السياسية.
يطيب لكثر و أنا منهم ان يرددوا مأثرة المفكر المناضل انطونيو غرامشي حول الوحوش الضارية التي تكثر بين عالمين.
المشكلة هي في ان العالم الجديد الذي يتشكل في منطقتنا تحت المطرقة الترامبية لن ينتظرنا طويلا، ولن يكتفي بالتحسن النسبي ولكن الملموس في ممارسة السلطة. و ها هي سيل التصريحات لتوم براك ولاخرين تجعل الارض تهتز تحتنا عند كل تصريح.
في الواقع انا كطرابلسي اعلم كم فرح الطرابلسيون بانهيار نظام التوحش الفئوي الاسدي الذي أذاقهم الامرين على مدى عقود، ولكن اعلم ايضا أن الطرابلسيين متمسكون بشعار لبنان اولا رغم التهميش و التطنيش والتنميط، ولا ارى جوابا على فقاعة استبدال الجولان بطرابلس احسن من جواب صحفي سوري شاب لمحطة لبنانية بانها سخيفة لدرجة انها لا تستاهل النفي.
لا اظن ان الاميركيين مهتمون كثيرا بتغيير الخرائط، بل برعاية الاتفاقات و انجاز الصفقات و السيطرة على الطرقات. و مع ذلك ارى أن الاخطار قائمة على كل لبنان اذا لم تبتدع السلطة الجديدة والنخب اللبنانية السيادية عموما اداء سياسيا دستوريا واضحا، قويا و واعدا، يوحد اللبنانيين و يفتح الافق الوطني الديمقراطي امام البيئة الشيعية والبيئات الاخرى، مما قد يجعل حزب الله مضطرا لتغيير مقاربته او مواجهته سلميا واظهاره بمظهر من يعرض الطائفة الشيعية و البلد كله لخطر البقاء في العراء على قارعة الطريق، بينما القافلة تسير وان فوق الاشواك.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top