
رغم أن الجيش اللبناني لطالما شكّل العمود الفقري لوحدة الوطن وضمانة استقراره، إلا أن انخفاض نسبة المشاركة المسيحية في صفوفه بات يطرح تساؤلات جدّية حول التوازن الطائفي في المؤسسة العسكرية وانعكاساته على الهوية الوطنية الجامعة.
تشير الأرقام إلى أن نسبة المسيحيين في الجيش لا تتعدى اليوم الـ32%، وهي الأدنى مقارنة ببقية المكوّنات، ما دفع البعض إلى دق ناقوس الخطر. رئيس مؤسسة “لابورا”، الأب طوني خضرا، أرجع هذا التراجع إلى مجموعة من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مؤكدًا أن العامل المادي يبقى العائق الأبرز.
في حديث لموقع mtv، أوضح خضرا أن ضعف الرواتب—حيث لا يتجاوز راتب العسكري الـ400 دولار—يجعل الانخراط في السلك العسكري خيارًا غير مغرٍ، لا سيما في صفوف الشباب المسيحيين الذين ينشدون مستوى معيشياً أعلى ويتطلعون إلى بيئة أكثر استقراراً ورفاهية. وأشار إلى أن “لابورا” تركز حاليًا على التقديمات الصحية والتربوية وبدلات النقل، لتعويض هذا التراجع المادي.
أما العامل الثاني، فيتمثل في تآكل الثقة بالمؤسسة نتيجة غياب العدالة والمحاسبة، بحسب خضرا، لا سيما في ظل تكرار التعديات على العسكريين دون محاسبة، وهو ما يعزّز الشعور بالغبن ويفسّر تردّد الكثيرين من الالتحاق بالجيش. وقال: “أحد العسكريين المتقاعدين قال لي: ‘عسكري مدعوم أهمّ من ضابط مش مدعوم’، وهذه جملة تختصر الواقع”.
في مواجهة هذا التحدي، تعمل “لابورا” على إطلاق حملات توعوية داخل المدارس للترويج لأهمية الخدمة العسكرية، لا سيما بعد إلغاء الخدمة الإلزامية التي كانت تلعب دورًا محوريًا في تعزيز اللحمة الوطنية. كما تنظم المؤسسة دورات تحضيرية للالتحاق بالكلية الحربية، مع التركيز على الكفاءة وتجاوز الطائفية والمحاصصة.
خضرا انتقد في المقابل غياب المبادرات الجدية من قبل الأحزاب المسيحية لتشجيع مناصريها على الالتحاق بالمؤسسة العسكرية، مؤكدًا أن بناء جيش وطني لا يكون إلا من خلال شراكة حقيقية تضمّ جميع مكونات المجتمع اللبناني. وأضاف: “الجيش لا يُبنى من طائفة واحدة… التنوّع هو الضمانة الوحيدة لوحدة لبنان”.
ورغم قتامة المشهد، عبّر خضرا عن تفاؤله، قائلاً إن السنوات الثلاث المقبلة قد تشهد تحولاً حقيقيًا نحو دولة أكثر تماسكًا، شرط التمسّك بالمؤسسة العسكرية كمظلة جامعة لكل اللبنانيين.
خلاصة:
إعادة التوازن داخل الجيش ليست مسألة أرقام فحسب، بل تحتاج إلى إرادة سياسية وخطاب وطني جامع يحمي المؤسسة من الانقسامات والمخاطر، لأنّه لا وطن بلا جيش موحد، ولا جيش بلا شراكة وطنية كاملة.
