
بقلم رفيق عبدالله- ديموقراطيا نيوز
يمرّ “حزب الله” اليوم بأكثر مراحله حساسية منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي. فالمعادلات التي رسّخت صعوده السياسي والعسكري، وتغلغله في مؤسسات الدولة اللبنانية، باتت تتآكل تحت ضغط مزدوج: خارجي متصاعد، وداخلي آخذ في التفكك.
الضغوط الخارجية تأتي بشكل أساسي من الولايات المتحدة وإسرائيل، وتُترجم عبر خنق مالي واقتصادي، وضربات عسكرية مركّزة، وحملات دبلوماسية تقودها العواصم الغربية والعربية في الأمم المتحدة لإجبار الحزب على نزع سلاحه، تنفيذًا للقرار 1701.
الجديد في هذه المرحلة هو تشدد المجتمع الدولي في تحديد مهلة زمنية قصيرة – لا تتعدى بضعة أشهر – يطالب خلالها الحزب بجدولة تسليم سلاحه، من دون تقديم أي مقابل، لا من حيث ضمانات أمنية، ولا حتى الضغط على إسرائيل للانسحاب أو وقف الاعتداءات. هذا الطرح يُنظر إليه في أوساط عديدة داخل الحزب على أنه استفزاز مقصود يهدف إلى إذلاله لا احتوائه، ما قد يؤدي إلى ارتداد معاكس يتمثل بتماسك داخلي حول خيار السلاح.
لكن ما يزيد تعقيد المشهد هو الانكشاف الداخلي الذي يعاني منه “حزب الله”، بعدما بدأت التحالفات السياسية التي طالما شكّلت غطاءً له، تتفكك واحدة تلو الأخرى. فـ”ورقة التفاهم” التي جمعته بالتيار الوطني الحر منذ عام 2006، لم تعد قائمة عمليًا.
التيار العوني، وتحديدًا جبران باسيل، رفض دعم الحزب في حرب الإسناد الأخيرة، ويتحدث علنًا عن ضرورة تسليم السلاح للدولة كشرط لأي تسوية وطنية مقبلة.
كذلك، فإن بعض الشخصيات السنية التي دارت سابقًا في فلك الحزب، إما بحثًا عن حماية من هيمنة “تيار المستقبل”، أو طمعًا بمواقع سياسية ضمن النظام، بدأت بالابتعاد تدريجيًا تحت وطأة الضغوط السعودية أو المغريات الخليجية.
اليوم، بات الحزب مكشوفًا تمامًا على الساحة السنية، حيث الأغلبية الساحقة تطالب بتفكيك منظومة السلاح، وترى فيه عائقًا أمام استعادة التوازن الوطني.
وما يفاقم المأزق أن كل المكونات اللبنانية غير الشيعية، سواء كانت مسيحية أو سنية أو درزية، تُجمع اليوم للمرة الأولى منذ عقود على ضرورة إنهاء الحالة العسكرية ل”حزب الله”، وإن تعددت الأسباب والمرجعيات.
البعض يرى في السلاح تهديدًا للسيادة، وآخرون يرونه مصدر عزلة دولية، وثالثون يعتبرونه “بابًا مفتوحًا للحروب بالنيابة”.
في موازاة هذا الواقع، لا يمكن فهم آليات اتخاذ القرار داخل الحزب من دون تفكيك بنيته الداخلية المعقّدة. فالحزب، خلافًا لما يظهر من وحدة تنظيمية صارمة، يتكوّن فعليًا من تسع كتل داخلية رئيسية، لكل منها دوافعها ومواقفها الخاصة من السلاح والمواجهة والارتباط بإيران.
*من هم التكتلات التسعة داخل “حزب الله”؟*
1- الكتلة العقائدية الولائية
هي النواة الصلبة للحزب، ترتبط مباشرة بمكتب السيد علي الخامنئي، وتعتبر أن أي تسوية تُفضي إلى التخلي عن السلاح هي خيانة لولاية الفقيه. عناصرها يملكون النفوذ الأكبر في المؤسسات الأمنية والدينية الداخلية.
2_ الكتلة المهدوية الغيبية
تؤمن بضرورة الاحتفاظ بالسلاح انتظارًا لظهور الإمام المهدي، وترفض ربطه بأي مرجعية سياسية حالية، حتى الخامنئي. تضم عناصر شابة ومجاهدين سابقين، وهي تيار غير منظم، لكنه موجود داخل الحزب ويعبّر عن نفسه بشكل غير مباشر.
3_ الكتلة الاقتصادية البراغماتية
تشمل رجال أعمال ومقاولين وأصحاب وكالات تجارية استفادوا من مظلة الحزب. السلاح بالنسبة لهم أداة استقرار وامتياز، لكنه يصبح عبئًا إن هدد مصالحهم أو استثماراتهم، وقد يدفعون باتجاه التهدئة أو المساومة.
4_ الكتلة السياسية التفاوضية
تضم نوابًا وسياسيين يشاركون في النظام اللبناني، ويعتبرون أن السلاح ورقة قوة تفاوضية يمكن توظيفها داخليًا وخارجيًا. هؤلاء أقرب للتسويات، شرط ضمان مكاسب طائفية مثل المثالثة أو توسيع الحصة الشيعية في الدولة.
5_ الكتلة القومية المقاومة
ترى في السلاح أداة لتحرير الأرض والدفاع عن لبنان، لا عن إيران. هي الأقرب لفكرة “الجيش والشعب والمقاومة”، ويمكن أن تقبل بتسليم السلاح إن توفرت بدائل حقيقية وطنية وسيادية.
6 _كتلة الحماية الوجودية (الطائفية)
تخشى بعض النخب الشيعية من “التمدّد السني” وتعتبر السلاح ضمانة ضد الإقصاء أو التهميش. هذا التفكير دفاعي – طائفي أكثر منه عقائدي، ولا يرتبط بإيران بل بالهواجس التاريخية.
7_ الكتلة الإيرانية الإقليمية
تمثّل وكلاء المشروع الإيراني في لبنان، وترى في السلاح أداة استراتيجية لحماية النفوذ الإيراني الإقليمي، وليس فقط المحلي. هذه الكتلة غير مستعدة للتفاوض إلا بقرار مباشر من طهران.
8_ كتلة اللامبالاة الصامتة
جمهور الحزب الذي لا يهتم بالعقيدة أو المشروع الإيراني، بل يهمه الراتب، والخدمات، والأمن. هؤلاء لا يعارضون الحزب، لكنهم لا يدافعون عنه أيضًا، وقد يتحوّلون ضده إن توفرت بدائل واقعية.
9_ كتلة الامتيازات الموروثة
تشمل شريحة من أبناء العائلات أو الفئات التي ارتفعت مكانتها داخل الطائفة بفضل الحزب. هؤلاء مستعدون للدفاع بشراسة عن النظام القائم لأنه منحهم نفوذًا لم يكونوا ليحصلوا عليه في أي بنية لبنانية أخرى.
هذا التنوّع في البنية الداخلية يعني أن أي ضغط إضافي غير محسوب قد يؤدي إلى انفجار داخلي داخل الحزب نفسه، فتظهر التباينات، وتخرج أصوات المعارضة، وقد نشهد ما يشبه “تشظيًا داخليًا” لحزب الله إلى جماعات مناطقية أو عشائرية تحتفظ بالسلاح لحسابها، وتعيد إنتاج نماذج مصغّرة عن الحزب في الجنوب أو البقاع، كلٌّ حسب مصالحه وظروفه.
إن مرحلة ما بعد الضغوط الحالية على “حزب الله” لن تشبه ما قبلها. فنحن أمام حزب يتصدّع من الداخل، وينفضّ من حوله الحلفاء، ويتراجع نفوذه في الدولة، لكنه في المقابل لا يزال يحتفظ بكتلة صلبة من المؤيدين، وسلاح فعّال، وشبكة إقليمية قادرة على المناورة.
والسؤال لم يعد “هل سيسلّم حزب الله سلاحه؟”، بل “هل يستطيع اتخاذ قرار موحّد أصلًا؟”. ما يحدث داخل الحزب اليوم قد لا يغيّر فقط وجه الحزب، بل قد يُعيد رسم وجه لبنان السياسي بأسره في المرحلة المقبلة.
