
بقلم الياس عيسى الياس
أمه تسكن على بعد مائتي متر فقط من بيته؛ مسافة لا تستغرق مشياً أكثرمن دقائق معدودة، لكنها في واقع الحال أطول من ليل المريض.
يمر بسيارته الفارهة من أمام نافذتها كل يوم. يئنّ محركها الأجنبي في تلافيف الأزقة الضيقة للحي القديم، محدثاً جلبة تقطع سكون المكان. بلمحة عابرة اعتاد عليها، يرى جدران البيت التي تقشّر طلاؤها، ويرى أمه جالسة كعادتها على كرسيها الخشبي القديم عند النافذة، ورائحة ياسمين جفّ على شباكها منذ الصيف الماضي. يلمح طيفها خلف الزجاج، ويشيح بوجهه مكملاً طريقه بنظرة مصلتة إلى الأمام وعينين ترفضان الالتفات. يتعلل دائماً في سره بأن الوقت ضيق، أو أن مصاريف الأولاد لا ترحم، أو بتلك الخلافات العائلية الموروثة التي مات أصحابها وظلت ضغائنها معلقة في الهواء بلا معنى.
هذا الجفاء ليس مجرد عقوق فردي؛ فالأخلاق لا تنقسم إلى جزر معزولة، وما نتعلمه في أكثر علاقاتنا خصوصية هو ما ننقله معنا إلى الشارع. هنا، تحت سقف واحد، تتشكل أول خلية لمرض اجتماعي ينتشر لاحقاً. المسألة أشبه بعدوى صامتة تخرج من غرف البيوت لتملأ الحارات والمؤسسات. ولماذا نستغرب بعدها أن يسدّ الرصيف بسيارته في اليوم التالي، أو يرمي قمامته من النافذة؟
تأمل مثلاً ذلك الرجل الذي تلتقيه في المقهى؛ يخرج نفخة نرجيلة طويلة، ويشتم الفساد وغياب النظام وضياع البلاد. لكنه ما إن يخرج ويواجه مصلحة تخصه، حتى تتبخر مبادؤه؛ فيهرع للبحث عن «واسطة» تقنص وظيفة ليست لابنه، أو يدس فئة نقدية مطوية في جيب الموظف مع غمزة عين وسؤال مألوف: «اشرب شاي». في تلك اللحظة يتنفس الصعداء، ويمضي وهو يظن أن خرق النظام حنكة.
أنا أعرف واحداً من هؤلاء؛ يملأ الدنيا صراخاً في المساء دفاعاً عن الحقوق، وفي الصباح يمد كابل كهرباء عشوائياً ليسرق تيار الحارة، مبرراً الأمر بأن الدولة تسرقه أيضاً.
لقد تبدلت المعايير حتى صار الخطأ نمطاً يُتباهى به بوقاحة «الفهلوة». نأخذ ما ليس لنا بحجة «ستر البنات» أو «مصروف البيت»، وكأن بيوتنا لا تُستر إلا بهدم سقوف الآخرين. ثم نمضي لنقارن تجاوزاتنا lاليومية بسرقات حيتان المال والسياسة، فقط لنبدو في عيون أنفسنا قديسين وأبرياء.
الخطر الحقيقي ليس في التجاوز نفسه، بل في أن ينام المرء مرتاح البال وهو يظن نفسه ناجحاً يعرف كيف يدير حياته في مجتمع مأزوم؛ بينما هو في الحقيقة يراكم مظالم صغيرة لا يراها، قبل أن يكتشف أثرها عندما تهتز حياته أو تتعثر مصالحه فجأة.
التربية التي تعلّم الولد كيف يكون «ذئباً» لا تصنع مجتمعاً. والبيوت التي تُبنى على جفاء الأمهات وأكل حقوق الناس، تشبه تلك الأبنية المتصدعة بأعمدة إسمنت مغشوشة وحديد نخره الصدأ؛ تبدو شاخصة وقوية في الأيام العادية، لكنها تنهار مع أول هزة. وعندما تأتي العاصفة، نلتفت حولنا فلا نجد إلا الغربة، ونكتشف أن «الشطارة» وحب البقاء لم تكن سوى مخالب ننهش بها ما تبقى من إنسانيتنا.
مائتا متر. والأم لا تزال خلف الزجاج، وكرسيها الخشبي ذاك ما زال مكانه منذ عشرين سنة. والابن لا يزال يمر، وما بينه وبين البيت مسافة تبتلعها خطى الأرض.. وتلفظها الضمائر.
