
في قلب النقاش السياسي المتصاعد في لبنان، يبرز سؤال جوهري يختصر معظم أزمات البلاد المتشابكة: من يملك قرار حصرية السلاح؟ وهل هو قرار لبناني فعلي تتخذه القوى السياسية والعسكرية على الأرض؟ أم أنه رهن بإرادات خارجية، وفي مقدمتها الدول التي سلّحت هذه القوى، وتستخدمها أدوات في صراعاتها الإقليمية؟
الوقائع الأخيرة تؤكد أن لبنان أمام لحظة فاصلة، عنوانها صراع بين إرادتين. الأولى داخلية، تدعو إلى أن يكون قرار السلاح، كغيره من شؤون الأمن والسيادة والسياسة الخارجية، بيد الدولة وحدها، بغية إعادة تأسيس لبنان كدولة موحدة وذات سيادة كاملة على أراضيها. أما الثانية، فترى في لبنان ساحة دائمة لصراعات المحاور، وأداة لإرسال رسائل بالنار، على حساب دماء اللبنانيين ومصيرهم.
في صلب هذا المشهد، لا يمكن تجاهل موقع “حزب الله”، القوة العسكرية الأبرز خارج مؤسسات الدولة، والتي يُثار حول سلاحها كثير من الجدل. ورغم إصرار الحزب على استقلالية قراره، إلا أن الوقائع تثبت العكس، إذ بات واضحًا أن القرار بشأن سلاحه ليس بيده، بل بيد الحرس الثوري الإيراني.
هذا لم يعد مجرد تحليل، بل حقيقة موثقة بتصريحات رسمية. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قالها صراحة: سلاح “حزب الله” يشكّل جزءًا من “الاستراتيجية الإيرانية” في المنطقة، في إشارة واضحة إلى أن قراره مرتبط بالمصالح الإيرانية وليس بالحسابات اللبنانية. وبقراءة أعمق، فإن كلام عراقجي يتضمّن دعوة غير معلنة للتفاوض مع طهران مباشرة حول هذا السلاح، كونها صاحبة القرار النهائي بشأنه، ما يعني إخراج المسألة من الإطار السيادي اللبناني.
وما يؤكد ذلك أكثر هو تصريح السفير الإيراني في بيروت مجتبى أماني، حين قال بلهجة قاطعة: “لن نسلّم ولو طلقة واحدة، والقرار بشأن سلاح حزب الله هو بيدنا”. هذا التصريح، بحد ذاته، يكشف أن الحزب ليس سوى أداة تنفيذية في مشروع إقليمي، وأن “القرار” خرج فعليًا من اليد اللبنانية.
بناءً عليه، لا يجوز حصر النقاش في قضية السلاح كمسألة داخلية فقط، بل يجب التعامل معها كقضية سيادية من الدرجة الأولى، تتصل مباشرة بقدرة الدولة على ممارسة سلطتها، واستعادة قرارها المصادَر.
الفرصة لا تزال متاحة. المطلوب خطوة شجاعة من القوى الشيعية، بل من كل من أمسك بالقرار الوطني طيلة العقود الماضية. لا دعوة إلى الاستسلام، بل إلى تصحيح المسار. أن تتنازل اليوم لصالح الدولة، فهذا ليس هزيمة، بل انتصار حقيقي للبنان ومستقبله. أما الاستمرار في التمسك بمنطق الهيمنة والسلاح المنفلت، فلن يقود إلا إلى الخراب.
القرار في أيديكم، لكن من الواضح أن مفاتيحه ليست كلها لبنانية.
المصدر:داوود رمال ، نداء الوطن
