سماء لبنان تحت الطنين… حربٌ بلا نار تُنهك الأعصاب

يعيش اللبنانيون منذ مطلع الأسبوع على وقع تحليق مكثّف للطائرات المسيّرة الإسرائيلية، امتدّ من أجواء الجنوب والبقاع إلى سماء الضاحية الجنوبية وبعبدا، حيث القصر الجمهوري، ووصل حتى وسط بيروت ومحيط السراي الحكومي، ناشراً موجات من القلق والتوتّر في الأجواء.

هذا التحليق المنخفض الذي لا يهدأ، جعل من الطنين المزعج جزءاً من الضجيج اليومي للعاصمة. كثيرون يرونه شكلاً من “الحرب الصامتة” التي تُبقي الناس في حال استنفار عصبي دائم، وتحرمهم من أبسط مظاهر الطمأنينة.

يقول أحد سكان بيروت لـ«الشرق الأوسط»: «صوت الطائرة صار مثل صوت المولّد الكهربائي، يرافقنا ليلاً ونهاراً، لكن الفرق أن المولّد يمنحك بعض الراحة، أما الطائرة فتذكّرك بأنك مراقَب دوماً».

في المقاهي والأحياء الداخلية، بات السؤال المتداول بين الناس: «هل لا تزال فوقنا؟» قبل أن يتابعوا يومهم وكأن شيئاً لم يكن. هذا التكيّف مع الخطر والضجيج، كما يصفه الخبراء، هو دليل على “الإنهاك النفسي”، حين يصبح القلق جزءاً من الإيقاع اليومي للحياة.

وفي الجنوب، لا يختلف المشهد كثيراً، وإن بدا القلق هناك أكثر حدّة. يقول أحد أبناء إقليم التفاح: «السماء لا تهدأ أبداً. حتى في الليالي الهادئة، تظلّ الطائرات تحلّق كأنها إنذار لا ينتهي. صرنا نميّزها من صوتها؛ الصغيرة سريعة، أما الكبيرة فبطيئة وتبقى لساعات». ويضيف: «نعيش مع هذا الصوت كما نعيش مع التنفس، لا يغيب إلا ليعود، كأنه يختبر قدرتنا على الاحتمال».

وفي البقاع أيضاً، يروي أحد سكان منطقة قريبة من بعلبك أنّ مسيّرة إسرائيلية حلّقت فوق منزله منتصف الليل، قائلاً: «أضاءت بنور أحمر خافت فوق السطح، وبقيت تتحرّك ببطء. أطفأنا الأنوار فوراً، وراقبتها من الشرفة لأكثر من ساعة. لم يكن الخوف من صوتها، بل من صمتها… صمتها كان الإنذار نفسه».

التحليق كسلاح نفسي وتقني

يرى العميد المتقاعد خليل الحلو أنّ هذا التحليق المنخفض والمستمر فوق بيروت ومدن لبنانية أخرى «يشكّل أحد أوجه الحرب النفسية الحديثة»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ الهدف منه «ترسيخ الشعور بأن اللبنانيين تحت المراقبة الدائمة، وأن إسرائيل قادرة على الوصول إلى أي مكان».

ويضيف أنّ «هذه الطائرات، بصوتها المزعج وحضورها المستمر، تؤدي وظيفتين في آنٍ واحد: بثّ الخوف في نفوس الناس، وترسيخ انطباع بالهيمنة والسيطرة على الأجواء اللبنانية». ويشير إلى أنّ «هذه الاستراتيجية ليست جديدة، لكنها باتت أكثر تطوراً بفعل التقدم التكنولوجي».

البعد الاستخباراتي

ويؤكد الحلو أنّ معظم المسيّرات التي تحلّق فوق لبنان غير مسلّحة، وتُستخدم في جمع المعلومات أكثر من تنفيذ الضربات، موضحاً أن «إسرائيل تمتلك منظومة متنوّعة من المسيّرات، قصيرة وبعيدة المدى، تُستخدم للرصد الدقيق للنشاطات في الأبنية وتحركات السيارات والأفراد».

ويشرح أنّ «هذه الطائرات مزوّدة بكاميرات عالية الدقة وأجهزة تنصّت قادرة على التقاط المكالمات الهاتفية وتحليلها باستخدام الذكاء الاصطناعي»، مضيفاً أنّ «المنظومة الإسرائيلية تدمج بين المراقبة الجوية والأقمار الصناعية وأجهزة الرصد الأرضية لتشكّل شبكة مراقبة متواصلة تعمل بلا توقف».

آثار نفسية عميقة

من جانبها، تصف المعالجة النفسية د. ريما حداد هذا النوع من الحروب بـ«الأكثر خطورة»، موضحة أنّ «الصوت المتكرر يفعل جهاز الإنذار العصبي في الدماغ باستمرار، ما يؤدي إلى إفراز دائم لهرمونات التوتر كالكورتيزول والأدرينالين».

وتضيف: «لم يعد الخوف من الطائرة بحدّ ذاتها، بل من وجودها الدائم. هذا ما يُعرف بالخوف المؤجَّل؛ انتظار خطر قد لا يأتي أبداً، لكنه يستنزف الجهاز العصبي كما لو أنه يحدث كل لحظة».

المصدر: الشرق الأوسط

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top