ممداني عمدة نيويورك: نار الديمقراطية في وجه الاستبداد

بقلم إلياس عيسى إلياس- ديمقراطيا نيوز

من الحبر والمنفى تولد الفكرة

في بيتٍ صغيرٍ على أطراف كمبالا الأوغندية، وُلد عام 1991 فتى اسمه زهران ممداني؛ اسمٌ يجمع بين العروبة والهند في مقطعٍ واحدٍ من التاريخ الإنساني.
وما درى الطفل أنّ الحبر الذي يسري في دمه هو ميراثُ أبيه محمود ممداني، المفكّر الذي كتب في شؤون ما بعد الاستعمار، وأنّ الكاميرا التي حملتها أمّه المخرجة الناشطة، ستتحوّل في وعيه إلى ضميرٍ يرى العالم بعدسته الخاصة.

نشأ في بيتٍ تتجاور فيه الفكرة والعدالة، والمسرح والثورة، والحلم والمنفى. ومن هذا الخليط خرج رجلٌ لا يحدّه وطن، ولا تُعرّفه الجغرافيا، بل يعرّفه ما ينهض في داخله من نور الفكرة.

هاجر إلى كندا ثم إلى الولايات المتحدة، فدرس الاقتصاد لا ليحصي الأرقام بل ليزن بها القيم. وهناك، في مدينةٍ تُقاس نبضاتها بعدد الأحلام لا بعدد الأبراج، التقى راما دواجي — فنانةً سوريةَ الأصل، دمشقيّة الروح — ليصنع معها بيتًا تتجاور فيه قصيدة الشرق مع موسيقى الغرب، والعدالة مع الحبّ، والإيمان مع الفنّ.

ومن تلك الخلطة وُلد ممداني الجديد: لا كظاهرةٍ انتخابيةٍ عابرة، بل كيقظةِ ضميرٍ في عالمٍ يوشك أن يغفو على رماده.

حين تتكسّر المرايا القديمة

لم يكن فوز ممداني في نيويورك واقعةً سياسيةً فحسب، بل كان حدثًا من أحداث الفكر الإنسانيّ ذاته.
ففي مدينةٍ حسبت نفسها مكتملةَ النموّ، أطلَّ شابٌّ من نسل المنفى ليذكّرها بأنّ اكتمال الإنسان وهم، وأنّ الحديد يمكن أن يتشقّق ليُخرج زهرةً من بين صدوعه.

هو ابنُ المنافي الذي دخل عاصمة العالم لا بوصفه غريبًا، بل بوصفه شاهدًا على أنّ الهوية ليست قيدًا من عِرقٍ أو دين، بل امتحانٌ أخلاقيّ في ميدان الفعل.
فقد أضاء فوزه سؤالًا قديمًا في وعينا العربيّ:

لِمَ لا تلد أرضُ الأنبياء والفلاسفة قادةً أحرارًا في ميدان السياسة كما أنجبت أحرارًا في ميدان الفكر؟

هل لأنّنا لم نؤمن بعد بأنّ الحرية ليست منحةً من السماء بل مسؤوليةً تُؤدَّى على الأرض؟
إنّ الديمقراطية، يا سادة، ليست زينةً تُلبَس على جسد الوطن، بل عضلةٌ تُدرَّب بالكدّ والوجع.
ومن لم يتعلّم فنَّ الاختلاف، لن يُحسن يومًا فنَّ الاختيار.

نار المدينة

في نيويورك، المدينة التي لا تنام، أطلَّ وجهٌ من الشرق كأنّه ضوءٌ خرج من بين ركام النسيان.
شابٌّ من دمٍ هنديٍّ مهاجر، يمسك بمقودِ أكبرِ مدينةٍ في الغرب، كمن يُشعل فتيلةً في ليلٍ طويلٍ من الرماد.

وفي المدينة ذاتها التي ذاقت رماد الحادي عشر من أيلول، يُنتخَب اليوم رجلٌ يحمل اسمًا عربيًّا ومسلمًا.
كأنّ الذاكرة قرّرت أن تغفر بالتجربة لا بالإنكار، وأن تُحوّل الخوف القديم إلى درسٍ في الشجاعة.
إنّها نيويورك التي عرفت النار أوّلًا، وها هي تراها تُضيء من جديد — لا في برجيها، بل في ضميرها.

ليس فوزُ ممداني حادثًا انتخابيًّا، بل حدثٌ في أخلاق المدينة، انبعاثُ فكرةٍ كانت تموت كلّ يومٍ في بلادٍ نائمةٍ على أفيون القدر.
قال للناس إنّ المدينة ليست للفاحشين بالمال بل للساعين بالعرق.
كانت كلماته من الطين، لا من الذهب؛ ومن الطين خُلق الإنسان فصدّقه الناس.

إنّ بساطة الصدق تهزم كلَّ فلسفةٍ مُحكمة، لأنّها تذكّرنا بأنّ الخلاص لا يأتي من المعجزات بل من ضميرٍ استيقظ في إنسانٍ عاديّ.
فممداني ليس منقذًا، بل مرآةٌ صغيرة في وجهٍ كبيرٍ للعالم؛ شعلةٌ لا تُنقذ، لكنها تُذكّر بأنّ الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع بالوعي، وأنّ الإنسان لا يُقاس بمحدوديته بل بما يحرقه من قيوده.

من الحلم إلى الإنسان

لقد أعاد ممداني تعريف السياسة في مدينةٍ وُلدت من الرماد، وأعاد معها تعريف الإنسان في وعينا نحن.
ففي عالمٍ تفرّقه الهويات كما تفرّق الرياح رماد النار، يأتي هذا الرجل ليقول إنّ الإنسان الكامل هو الذي يتخطّى حدوده ليبلغ إنسانيّته.

هكذا يلتقي الفكر بالشعر، والعقل بالقلب، والقول بالفعل.
الفيلسوف يُحلّل النار بعقله، والشاعر يُغنّيها بقلبه، وأمّا ممداني فيسير بها في شوارع نيويورك ليجعل منها صلاةً تمشي على قدمين.
وحين تُمارَس السياسة بضميرٍ صادق، تصير عبادةً مدنيّة، وركوعًا في محراب الإنسان.

فهل يتعلّم هذا الشرق، الذي صدّر الحلم إلى العالم، أن ينهض يومًا من رماده؟
ربما يكون الجواب في الجملة التي تُنهي كلَّ قصيدةٍ تُكتب بالوجع والرجاء:
“حين نصمت بعد الجرس، يبدأ الوطن بالكلام.”

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top