
بقلم إلياس عيسى إلياس- ديمقراطيا نيوز
لم تعد المعركة السياسية تُحسم في صناديق الاقتراع، ولا في ساحات المدن، بل في فضاءٍ خفيٍّ حيث تتقاطع الخوارزميات مع الوعي البشري.
ما يهددنا اليوم ليس فقط زيف المعلومة، بل ضياع الإيمان بوجود حقيقة أصلًا.
وحين يفقد الإنسان ثقته بعينيه وبعقله، يصبح مستعدًا لتصديق أي شيء… أو لا شيء على الإطلاق.
الحرب بالوكالة: البرمجة العاطفية
الذكاء الاصطناعي صار السلاح الأكثر فتكًا في يد القوى الخفية. فبدلًا من شراء الولاءات بالمال، أصبحت تُشترى بالعواطف المصنوعة.
تعرف الخوارزميات متى تثير الغضب الطائفي، ومتى تضغط على وتر الحنين، ومتى تُلهب مشاعر الظلم الاقتصادي.
هكذا يتحول المواطن من ناخبٍ يفكر إلى مستهلكٍ يتفاعل، لا يقرر وفق برنامج سياسي بل وفق جرعة الأدرينالين العاطفية التي توفرها له الشاشة التالية.
إنها ليست حملة إعلانية بل قصف عاطفي موجه يصيب القلب ليشلّ العقل.
من التفاعل إلى العزلة: غرف الصدى الرقمية
الذكاء الاصطناعي لا يختار المحتوى فحسب، بل يعزلنا داخله.
الخوارزميات تضخّم ما نؤمن به وتُقصي ما يخالفه، فتصنع حولنا غرف صدى رقمية نسمع فيها أصواتنا مضخّمة بأصوات تُشبهنا.
في لبنان، حيث الانتماء الحزبي والطائفي متجذر، تصبح هذه الظاهرة أكثر خطورة:
يتحول الفضاء الرقمي إلى جدار رقمي طائفي، لا مساحة تلاقٍ بل انعزال، لا حوار بل تهييج.
وهكذا تُستبدل السياسة بالهتاف، والمواطن بالمشجع، والعقل بالغريزة.
الذاكرة السائلة: تزوير الماضي
أخطر ما تفعله الخوارزميات أنها تعيد كتابة التاريخ نفسه.
بواسطة التزييف العميق وتلاعب محركات البحث، يُعاد إنتاج الماضي بما يخدم الحاضر.
يكفي مقطع واحد لسياسي لبناني “يعترف” بصفقة فساد حتى تهتز البلاد.
وحين يُكشَف لاحقًا أن الفيديو مزيّف، تكون الرسالة قد ترسخت.
بل الأخطر أن يستخدم السياسي الحقيقي ذريعة “الديب فيك” لإنكار ما قاله فعلاً، فتختفي الحقيقة من بين أيدينا، كالماء من بين الأصابع.
وعندما يصبح الماضي سائلًا، كيف يجد الحاضر بوصلته؟
سلطة الخوارزمية: الشفافية الغائبة
تتحكم شركات التكنولوجيا في من يُسمع صوته ومن يُمحى أثره.
وفي بلد هش سياسيًا كلبنان، هذه السيطرة تعني أن الخطاب الوطني قد يُدفع إلى الهامش، فيما تُضخَّم خطابات التحريض والتهييج.
إنها سلطة غير مرئية لا تخضع لرقابة ولا لمساءلة.
من هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء هيئة وطنية لحماية البوصلة الرقمية، تفرض شفافية على الخوارزميات التي تشكل الرأي العام، تمامًا كما تُراقَب الحملات الانتخابية التقليدية.
الإرهاق المعرفي: فيضان الحقيقة
لم يعد الخطر في الكذب، بل في الفيضان المعرفي ذاته.
تُغرقنا الخوارزميات بسيلٍ لا ينتهي من الأخبار والتعليقات والمقاطع حتى نصبح عاجزين عن التمييز بين المهم والعابر.
يُرهَق الذهن فيستسلم للشعارات الجاهزة والعواطف السريعة.
بهذا، يتحول المواطن من فاعلٍ سياسي إلى مستهلكٍ للضجيج، يسوّق بلا وعيٍ سرديات الآخرين.
الذكاء العاطفي الاصطناعي: استهداف القلب
الخوارزميات لا تراقب ما نقوله فقط، بل ما نشعر به.
تحلل خوفنا، حنيننا، غضبنا، لتعيد تشكيل المزاج العام اللبناني عبر الوجدان لا المنطق.
تصبح الدموع والكرامة والظلم والذكريات أدوات انتخابية تُستخدم بذكاء رياضي بارد.
إنها هندسة للمشاعر لا تقل خطورة عن هندسة السياسات.
وفي هذا السياق، تبدو برامج السخرية السياسية، مثل برنامج شربل خليل الجديد على الـOTV، وكأنها تمشي على الحبل الفاصل بين النقد والاصطناع.
فحين يُستخدم الذكاء الاصطناعي في التهكم، تختلط الرسالة بالتمويه، ويضيع الحد بين الوعي والسخرية.
الطريق إلى الاستعادة: التربية الرقمية الفلسفية
لن تُنقذنا التشريعات وحدها، ولا الرقابة، ولا حتى تقنيات كشف التزييف.
النجاة الحقيقية تكمن في تربية رقمية فلسفية تُعيد الإنسان إلى مركز المعادلة.
أن يتعلم الجيل الجديد كيف يشك، لا كيف يستهلك.
أن يُتقن فن السؤال، لا فن التمرير.
حين نُسلّح العقول بالوعي النقدي، نفقد الخوارزميات قدرتها على التلاعب.
وحين تستعيد الروح قدرتها على التمييز بين ما يُقال وما يُراد، تستعيد الديمقراطية معناها.
من إعادة البرمجة إلى إعادة الإيمان
ربما لا يمكننا إيقاف الذكاء الاصطناعي، لكنه يمكن أن يعيدنا إلى سؤالٍ أعمق:
من يُبرمج من؟
هل نستخدم التقنية لتوسيع وعينا، أم نتركها تعيد تشكيلنا على صورتها؟
في النهاية، لا شيء أخطر من أن يفقد الإنسان بوصلة داخله في عالمٍ صار فيه الذكاء الاصطناعي سيد المعلومة، لا خادمها.
ولبنان، بتاريخه المتخم بالتجارب والخيبات، مدعوّ اليوم إلى معركةٍ جديدة:
أن يستعيد الإنسان دوره كصانع للوعي، لا كمنتَجٍ من منتجات الخوارزمية.
