الستة أم ال128: صدى الغربة وصوت الوطن

بقلم الياس عيسى الياس

في أفق انتخابات 2026، يطل صوت المغتربين كالنسمة العابرة على صفحة الوطن، يحمل معه رائحة الحنين وأمل العودة. ليس الحديث هنا عن ستة مقاعد مجردة من الروح، بل عن حق اللبنانيين البعيدين أن يكونوا فاعلين في مصير وطنهم، أن لا يبقوا ظلالًا صامتة على هامش التاريخ. كل ورقة انتخابية، كل صوت، هو وشم الغربة، دمج بين ذاكرة الماضي وطموح المستقبل. بين الستة والمئة وثمانية وعشرين مقعدًا، تتكشف رحلة الصوت اللبناني البعيد، بين جذور التحالفات القديمة وصرخة الرغبة في التغيير.

المادة 112: ستة مقاعد وصوت الغائب

تنص المادة 112 من قانون الانتخابات على ستة مقاعد للمغتربين. ستة مقاعد فقط، كأوراق شجرة صغيرة على أطراف الغابة، تمنح صدى محدودًا لكنها لا تهز جذور التحالفات الراسخة. انتخابات 2022 أثبتت هشاشة هذا الحق: صوت المغتربين ضاع بين الدوائر المحلية، وبقي البرلمان في كهف صامت يحرسه الطوائف والتوازنات التقليدية.

القوى التقليدية ترى في هذه الستة مقاعد ضمانة لاستقرار التحالفات التاريخية، وتخشى من صوت المغترب المنفصل عن ضغط الفقر والسيطرة المباشرة. الصراع إذن ليس حول الأرقام، بل حول هوية الدولة اللبنانية، وقدرتها على استيعاب مواطنيها أينما كانوا.

تعليق المادة 112: فرصة مؤقتة للتغيير

اتخذت الحكومة خطوة استثنائية بتعليق المادة لمرة واحدة، لتمكين المغتربين من التصويت لكل النواب الـ128 في دوائر قيدهم الأصلية. القرار لم يلغِ المادة، لكنه أضاء نافذة صغيرة في جدار الثوابت، تجربة مؤقتة بين مطالب التغيير ورغبة الحفاظ على التوازنات التقليدية.

في انتخابات 2022، جرى التصويت على أساس الـ128 مقعدًا، وكانت النتيجة دليلًا على قدرة المغترب على تحريك معالم السياسة اللبنانية، إذا أتيح له ذلك. وضمن إجراءات التسهيل، تم تمديد مهلة تسجيل المغتربين وإقامة مراكز انتخابية كبرى في باريس ونيويورك ولندن، لتكون هذه النافذة أكبر وأعمق، وتمكن كل مغترب من أن يكون حاضراً بصوته.

الكرة في ملعب البرلمان

أحيل المشروع إلى مجلس النواب، لتبقى الكرة في ملعب رئيسه. الخبراء الدستوريون يحذرون من التأجيلات المحتملة، من ربط المشروع باقتراحات قوانين أخرى، ومن احتمال تجميده داخل اللجان المشتركة أو الفرعية. التأخير يخدم القوى التقليدية التي تخشى أي مساس بالتوازنات القائمة، بينما يبقى صوت المغترب متيقظًا، ينتظر لحظة تحرره الكامل.

128 مقعدًا: صوت الغربة والتغيير الحقيقي

قوى التغيير ترى في توسيع دائرة التصويت فرصة لإدخال دماء جديدة إلى البرلمان، لتنفض عن الحياة السياسية غبار الجمود. التصويت لكل النواب يرفع وزن الصوت الاغترابي، خصوصًا في دوائر ضيقة الهامش، حيث يمكن لصوت المغترب قلب الموازين، كما كان ممكنًا في 2022.

التأثير المتوقع في 2026 يشمل:

  1. تعزيز قوى التغيير: صوت المغتربين مال لصالح قوى المجتمع المدني والمعارضة، والتوجه نفسه متوقع أن يستمر.
  2. المقاعد الحاسمة: الصوت الاغترابي قد يحسم نتائج دوائر متقاربة الهامش، ويقلب موازين القوى.
  3. عامل الديموغرافيا الجديدة: موجات الهجرة منذ 2019 خلقت جالية أكثر ارتباطًا بالواقع اللبناني وأكثر استعدادًا لممارسة “التصويت العقابي”، ما قد يزيد نسبة المشاركة مقارنة بـ141,000 مقترع في 2022. ستة أم 128؟

ستة مقاعد: حماية الماضي، تثبيت التحالفات، الحفاظ على توازن هش لكنه ثابت.
128 مقعدًا: دماء جديدة، مشاركة حقيقية، صوت المغترب ليس ظلًا، بل عامل فاعل في صناعة المستقبل.

اختيار الحكومة بتعليق المادة لمرة واحدة هو اختبار لقدرة لبنان على السماح لمواطنيه بالمشاركة الحقيقية في مصيره، أينما كانوا. بين الصمت والصرخة، بين الماضي والمستقبل، وبين التوازن السياسي والمطالبة بالحقوق، يبقى لبنان على مفترق الطرق. المعركة حول المادة 112 والمقاعد هي في جوهرها معركة لبنان مع ذاته: بين الحلم بالحرية والموروث الطائفي، بين النسيان واليقظة، وبين الصوت الصامت والصوت المسموع.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top