
بقلم خالد صالح
طلبَ رجلٌ من زوجته أن تكتبَ على ورقةٍ أكثر الأمور السيئة التي مرت عليها خلال عامٍ مضى .. همهمت بـ “آه و آه”، ثمّ جلست وكتبت:
توفّي والد زوجي بركة بيتنا، تعبَ زوجي ودخل المستشفى ولازم الفراش لأشهر طويلة حتى فُصِل من عمله في دارٍ للنشر، وابننا رسب في الثانوية العامة بعد إصابته في حادث سير وتعطّله عن الدراسة.
فجأة انهمرت دموعَها بحرارةٍ وحرقة وتساقطت على الورقة، ثم ختمت كلامَها بعبارة “كانت سنةً سيئة مشؤومة”، وتركت الورقة على الطاولة كي تجفَّ من دموعها، وعادت بعد حين، وإذ بورقة أخرى بجانب ورقتها، فتحتها وقرأت ما فيها:
خلال سنة مضت ودّعنا والدي والحمدلله توفّي من دون ألم، شُفيت من آلام المرارة بعد عذاب طويل وقد بلغت الستين وأنا بدجانبكِ بتمام الصحّة، فُصلت من العمل وبدعمك ومساندتكِ لي عدت للكتابة والتأليف وغدًا موعد نشر أوّل كتاب لي، ابننا نجا من الموت بأعجوبة وشُفي تمامًا من غير إعاقة أو مضاعفات، يا لها من سنة أكرمنا الله بها.
التوقيع: زوجك الذي ينظر للجهة الأخرى من سنة مرّت .
سنة من العذابات
حوالى سنة مرّت على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، ولايزال العدو الاسرائيلي يمارس إجرامه وغطرسته من دون حسيب أو رقيب، سنة وسماء لبنان لم تفارقها المسيّرات المعادية وهي تستهدف شبابنا بسياراتهم ودراجاتهم وحتى وهم مشاة، لكنها أيضًا سنة استعدنا فيها شيئًا من “شكلنا” كدولة، انتخبنا رئيسًا للجمهورية وصار لدينا حكومة كاملة المواصفات بعيدة عن تصريف الأعمال، وأتخذت قرارات مهمة جدًّا في الطريق نحو حصرية السلاح وإمتلاك قرار السلم والحرب، أيضًا سنة شهدنا فيها سقوط نظام الأسد في سوريا.
بين هذا الجانب وذاك، لايزال “حزب الله” عالقًا في تاريخ ما قبل طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول 2023، ويحاول أن يمارس سطوته وكأنه لا حرب حصلت ولا نتائج كارثية أسفرت، وما بيانه الأخير إلا تأكيدًا على رفضه قيام دولة قوية، لأنه كلّما قويت الدولة ضعفت الدويلة والعكس صحيح، لايزال “حزب الله” يعتقد أن “المقاومة” هي الفعل والبقية أقوال ويرفض أن يقتنع أن معادلة “جيش وشعب ومقاومة” صارت معادلة خشبية يستعد الزمن كي يطويها إلى الأبد .
سنة و “حزب الله” يتلقى الضربات المعادية من دون أن يُحرك ساكنًا، على الأقل أن يستعيد مشهدًا واحدًا من مشهديات ما قبل العام 2000، عملية في جنح الليل، عملية تفجير استشهادية، اطلاق وابل من القذائف على موقع اسرائيلي داخل أراضينا المحتلة، لكنه في المقابل يمارس “فائض القوة” داخليًا، تارة باستعراض عضلاته متحديًا الدولة بإنارة صخرة الروشة وتارة أخرى بمسيرة دراجات نارية لم تتجاوز حدود الضاحية، وتارة بمهرجان كشفي في المدينة الرياضية.
لا عودة إلى الوراء
فعل “المقاومة” سقطت مفاعيله، لأنه لم يعد الفعل القادر على إحداث تأثير كبير في معادلة الحرب، وصار فعلًا لعرقلة قيام الدولة فقط، ولم تعد “المقاومة” الأداة التي يمكن من خلالها أن نهدد خيوط العنكبوت الواهنة، لأنها ضعفت إلى حدود فقدانها الدور الذي اضطلعت به على مدى عقود خلت، والسؤال الجوهري الآن، أين هي المقاومة اليوم؟، لأن مفهوم الفعل المقاوم لم يعد موجودًا على خارطة الأحداث كما كان موجودًا من ذي قبل، ونفوذ المقاومة تراجع بشكل كبير مع تراجع وسقوط المحور الذي تنتمي إليه بشكل كامل .
فعل “المقاومة” سقطت قوته يوم صارت “ورقة إقليمية” ولم تعد محل إجماع لبناني، وصار السلاح فعليًا يقبع في معادلة قديمة – جديدة “السلاح لحماية السلاح”، لأن استثمار إنجاز التحرير في العام 2000 لم يكن في سبيل بناء دولة بل في تحقيق مشروعية بناء “دويلة” لها كيانها الخاص، وفي الوقت عينه تريد أن تفرض على كل اللبنانيين سطوتها ورأيها وتُشاركهم دولتهم، سقط فعل المقاومة يوم صارت تتخذ قرارات ذات أبعاد إقليمية مرة وأيديولوجية مرة أخرى وعبرت الحدود من غير ذي وجه حق.
مفهوم “المقاومة” مفهوم فيه من السمو الشيء الكثير، لكن ما نشهده اليوم لا يمت للمقاومة الحقيقية بصلة، المفهوم القائم حاليًا هو دفاع مستميت عن مكتسبات ومواقع ومراكز سياسية، هو تلويح بهذ المفهوم في وجهنا بحرب أهلية، هو نعتٌ لكل لبناني يخالفهم الرأي بالعمالة والصهيونية، هو رفضً قاطع لبناء الدولة والمؤسسات العادلة التي تبحث عن كل الوسائل لرقي مواطنيها وتقدمهم وتطورهم .
ليس علينا أن نستذكر فقط المحطات المؤلمة من سنة مرّت وهي كثيرة جدًّا، بل علينا أن نقف في الجانب الآخر من هذه السنة، أن فعل المقاومة لم يعد موجودًا إلا في أذهان من استخدموه طويلًا كـ “مسمار جُحا” لفرض هيمنتهم ولو بالسلاح على الواقع اللبناني، ولن يستعيد وهجه إلا عندما تؤمن قيادة “حزب الله” أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، إلى ذلك الزمن الغابر، وأن عليهم الانخراط في السياسة اللبنانية بلا “فعل المقاومة” الذي ذهب إلى غير رجعة .
