
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
هناك جملة عندما تُقال، لا تُسمع فقط… بل تُترك أثرًا خفيًا في العقل، فتفتح نافذة على المجهول، مثل شعاع ضوء يقتحم غرفة مظلمة.
مثل هذا كان تصريح إيلون ماسك:
“الروبوتات ستقضي على الفقر.”
للوهلة الأولى، يبدو الوعد مبشّرًا، لكنه يثير أسئلة أكبر:
هل يمكن للآلات أن تداوي الجروح العميقة للفقر البشري؟
وهل ستوزع الوفرة بعدل على الجميع، أم ستزيد الهوة بين الشمال والجنوب العالمي؟
الفقر… أكثر من جوع
الفقر ليس مجرد نقص في المال، بل هو شبكة معقدة من السياسة، التاريخ، التعليم، والثقافة.
في العالم النامي، حيث يعيش ثلثا سكان الأرض، أصبح الفقر جزءًا من الذاكرة الجماعية، كندبة تاريخية لا تزول بتقنية جديدة.
الروبوتات قد تخفض التكاليف… لكنها لا تستطيع إزالة الجروح النفسية والاجتماعية، ولا تصنع العدالة بين الناس.
وعد التقنية… أم أسطورة العصر الذهبي؟
الذكاء الاصطناعي والروبوتات تحمل إمكانيات هائلة:
إنتاجية غير مسبوقة
خفض تكلفة السلع والخدمات
فتح آفاق جديدة للعمل والإبداع
لكن التقنية وحدها لا تضمن العدالة. التاريخ يعلمنا أن الثروات الجديدة غالبًا ما تذهب لأصحاب المال، تاركة الأغلبية خارج دائرة الفائدة.
الروبوتات قد تخلق وفرة… لكن العدالة تحتاج إرادة إنسانية: قوانين ذكية، شبكات أمان، وإصلاحات تعليمية حقيقية.
لعنة الجنوب العالمي
في أفريقيا جنوب الصحراء، يمثل الشباب أكثر من 60% من السكان. هذا النمو السكاني فرصة تاريخية إذا استُثمر بشكل صحيح.
لكن الأتمتة قد تحول هذه الفرصة إلى لعنة:
إلغاء سلم الصعود الاقتصادي: الصناعات كثيفة العمالة تتضاءل أمام الروبوتات، فتفقد الدول النامية ميزة الإنتاج الرخيص.
بطالة بنيوية هائلة: جيل كامل قد يفتقر لمهارات القرن الجديد، مثل الإبداع والتفكير النقدي.
فجوة رقمية ومعرفية: ضعف الإنترنت والكهرباء، واعتماد على منصات غربية، يجعل الدول الفقيرة تدفع ثمن التطور دون أن تجنيه.
النتيجة؟ فقدان الوظائف وزيادة التبعية التكنولوجية… أي ثمن مزدوج يدفعه الجنوب العالمي.
العمل… أكثر من راتب
العمل ليس مجرد دخل، بل هو هوية ومكانة اجتماعية وكرامة.
عندما يحل الروبوت محل الإنسان في قرية نائية، يفقد الأخير:
المعنى: دوره في المجتمع وإنتاج القيمة
الانتماء: الروابط الاجتماعية
الكرامة: شعور بأنه مهم وله مكان
إهمال هذا البعد يؤدي إلى مشاكل نفسية واجتماعية قد تتصاعد إلى فوضى أو تطرف.
كيف نجعل الروبوت حليفًا للإنسان؟
الآلة قد تكون نعمة… لكنها ليست خلاصًا. لجعل الوفرة التقنية عادلة، يجب:
- إعادة تعريف النمو: تجاوز الناتج المحلي الإجمالي ليشمل جودة الحياة، العدالة البيئية، والسعادة.
- عقد اجتماعي جديد:
ضريبة على الروبوتات لصالح شبكات الأمان أو الدخل الأساسي.
ملكية عامة للبيانات الوطنية.
- تعليم يركز على القدرات الإنسانية: الإبداع، التعاطف، النقد، والحس الأخلاقي — أشياء لا تستطيع الآلة القيام بها.
الإنسان… القطرة التي لا تُستبدل
الروبوتات تحسب… لكنها لا تشعر.
تحسب… لكنها لا تحلم.
القضاء على الفقر لا يحتاج آلات أولًا، بل إنسانًا يقرر أن الآخر يستحق حياة كريمة.
بين الوفرة والعدالة
الروبوتات قد تولد ثروة هائلة، لكنها لن تضمن العدالة أو الكرامة.
الآلة حليف محتمل، لكن الحكمة الإنسانية هي التي تصنع الفارق، في الجنوب قبل الشمال، في القرية قبل وادي السيليكون، في مستقبل الشباب قبل التقنية نفسها.
ويبقى السؤال:
هل سترافق الحكمة هذه الثورة كما رافقها الطموح؟
وهل سنجعل من الروبوت شريكًا لإنقاذ الإنسان… أم شريكًا لاستبعاده؟
