
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
يقف لبنان اليوم أمام واحدة من أعقد محطاته الوجودية، حيث يتجاوز ملف سلاح المقاومة حدود النقاش الأمني ليصبح سؤالًا فلسفيًا حول ماهية الدولة نفسها. فمن يملك حق تعريف القوة؟ ومن يعطي الشرعية لمن يمسك بها؟ تبدو هذه الأسئلة في ظاهرها تقنية، لكنها في جوهرها تمسّ الفكرة التي تُقام عليها الدول: أن القوة لا تُقاس بوجودها المادي فقط، بل بقدرة الدولة على احتكارها احتكارًا مشروعًا. وحين تصبح القوة الواقعية أكبر من الشرعية القانونية، يتخلخل الأساس الذي نشأت عليه الدولة الحديثة وتبدأ الظلال في التمدد على حساب الضوء.
في هذا الفراغ، تصبح الدولة عند هابرماس حدثًا أخلاقيًا ناقصًا؛ إذ لم يعد المواطن يخضع لسلطة واحدة تمثّل الجميع، بل يتوزع ولاؤه بين شرعية قانونية تتمثل بالدولة، ومشروعية وظيفية تمثلها المقاومة. هذا التوزع لا ينتج صراعًا مباشرًا فقط، بل يعطل قدرة الدولة على أن تتشكّل في وعي مواطنيها كمرجعية نهائية ومطلقة. ومع الزمن، يتحول هذا التعطل إلى ما يسميه بورديو عنفًا رمزيًا: عنفًا لا تُسمع له طلقة، لكنه يُرى في الهجرة، وانكماش الطبقة الوسطى، وتآكل الثقة، وانخفاض الاستثمارات بما يقارب 1.5 مليار دولار سنويًا، وارتفاع البطالة في بعض المناطق إلى أكثر من 40% بين الشباب. تصبح الأزمة الأمنية أصلًا تتفرّع عنه كل الأزمات، وتتحوّل هشاشة الدولة إلى بيئة تُغذّي نفسها بنفسها.
أمام هذا الواقع، يصبح النقاش حول الحلول ليس نقاشًا حول السلاح فقط، بل حول إعادة صياغة الفكرة التي تنظّم العلاقة بين القوة والشرعية. وهنا يبرز مفهوم الاحتواء الاستراتيجي، لا باعتباره مناورة سياسية، بل باعتباره مقاربة فلسفية تهدف إلى إعادة إدخال القوة إلى داخل مشروع الدولة، بحيث تتوحّد المرجعيتان وتستعيد الشرعية معناها الأول: أن تكون الدولة وحدها مصدر الأمان ومعيار الخطر. فالاحتواء ليس نزعًا للسلاح بالقوة، ولا إبقاءً للوضع كما هو، بل محاولة لردّ القوة إلى مسارها الطبيعي عبر دمجها تدريجيًا في المؤسسات، وتمكين الجيش ليكون الوريث الشرعي الوحيد، وترتيب السلاح الاستراتيجي ضمن إطار وطني منضبط، وتوحيد القرار الأمني في يد الدولة.
إلّا أن هذا المسار لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن البيئة الداخلية. فالانقسام السياسي والثقافي حول معنى السلاح يعكس انقسامًا أعمق حول صورة الدولة. والطائفة، حين تمنح الأمان والانتماء، تنافس الدولة في وظيفتها الأساسية. لذلك يحتاج الاحتواء إلى إعادة تعريف مفهوم الأمان ليعود قيمة وطنية لا طائفية. وفي الخارج، تتشابك القوى الإقليمية والدولية: الغرب يدفع نحو تعزيز الدولة، إيران تحمي نفوذها عبر المقاومة، وسوريا لم تعد لاعبًا مركزيًا كما كانت. بهذا تصبح الأزمة اللبنانية جزءًا من لوحة أكبر، لا تُقرأ بالخرائط فقط، بل بتوازنات التصوّرات والمصالح.
ولكي تنجح عملية الاحتواء، لا بدّ أن تمسك الدولة بالمفاصل التي تمنحها قدرتها على إدارة القوة: جيش مستقلّ ومدعوم، أجهزة أمنية قادرة، قضاء نزيه، وإدارة تستطيع إعادة بناء الثقة. فالدولة لا تُستعاد بالقرارات وحدها، بل بالثقة التي تولد حين يشعر المواطن أن السلطة التي يخضع لها تمثّله ولا تخونه. عندها فقط يمكن للقوة أن تتحول من هوية إلى وظيفة، ومن مشروع موازٍ إلى جزء من الإطار الوطني.
وفي الخلاصة، لا تكمن أزمة لبنان في السلاح بحد ذاته، بل في ازدواجية الشرعية التي تمنع قيام دولة كاملة. ولن ينهض البلد طالما بقيت القوة في جهة، والشرعية في جهة أخرى. يحتاج لبنان إلى توحيد المعنى قبل توحيد السلاح، وإلى دولة تقول بثقة: “أنا مصدر الأمان وأنا معيار الخطر.” ففي اللحظة التي يعود فيها اللبناني ليرى نفسه في دولته، لا خارجها، يبدأ الضوء بالظهور من جديد.
والدولة — في النهاية — ضوء.
والضوء، بطبيعته، لا يتقاسم الظلال.
