مملكة العُسر.. سيمفونية الاختلاف والوعي

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

في عالم يميل طبيعياً إلى اليمين، هناك يد تتحرك في صمت، تبحث عن طريقها الخاص، وتترك أثرها المختلف على كل شيء. اليد اليسرى ليست مجرد أداة للإمساك أو الكتابة، بل مرآة للروح التي تريد أن تفكر خارج الإطار، أن ترى ما لا يراه الآخرون، أن تشعر بما لا يُحسّ بسهولة. العُسر ليسوا أقلية عددية، بل أقلية وجودية، تتحدى الانسجام المألوف لتصنع عالمها الخاص، لتؤكد أن الحياة ليست مجرد نسق، بل رحلة فردية بين الظلال والضوء، بين الممكن والمستحيل.

الدماغ العُسر: الجسر بين العقل والروح

في دماغ العُسر، النصفان ليسا مجرد مناطق، بل رقصة متواصلة بين العقل والفكر، بين المنطق والإحساس، بين التحليل والفن. هنا يظهر الجسر الأعظم، الجسم الثفني، ذلك الحبل العصبي الذي يربط نصفي الدماغ. هو ليس مجرد حزمة ألياف، بل رمز للقدرة على الجمع بين الأضداد، على إدراك التناقضات، على خلق الانسجام من التنوع.
في العُسر، يبدو هذا الجسر أوسع وأكثر نشاطاً، كأن الطبيعة أرادت أن تمنحهم مرونة الفكر، لتعلمهم أن الحرية تبدأ من اليد، وأن الاختلاف ليس نقصًا بل قوة. اليد اليسرى ليست مجرد أداة، بل امتداد للوعي؛ هي اللغة التي يكتب بها الدماغ فلسفة وجوده على العالم، وهوية الفرد في المكان والزمان.

العُسر واللحظة: الفن في الحركة

في الملاكمة والتنس والمبارزة، حيث تقرر الثواني المصير، يظهر العُسر كأنهم يكتبون القانون بأصابعهم قبل أن يراه الآخرون. العالم صُمم لليمين، لكن العُسر يعرفون كيف يحولوا كل زاوية إلى فرصة، كل لحظة إلى لحظة استثنائية. هنا، في صراع اليدين، تتجلى فلسفة الطبيعة: أن كل اختلاف هو فرصة، وكل تحدٍ دعوة للتجديد، وكل زاوية مائلة دعوة للنظر من منظور آخر.

العُسر والفن: اليد التي تصنع الخلود

العُسر في الفن ليسوا مجرد رسامين أو موسيقيين، بل صناع عالم آخر. ليوناردو دا فينشي كتب بالعكس وكأنه يقول للعالم: “لكي تفهمني، انظر إلى المرآة”، بيكاسو رسم اللوحة كما لو أن اللوحة تنظر إليه قبل أن ينظر إليها، وموزارت وبيتهوفن وجدوا في اليد اليسرى مفاتيح الأصوات التي لا يستطيع المعتادون على النظام التقليدي الوصول إليها. اليد اليسرى هنا ليست أداة، بل فلسفة، وسيلة للتعبير عن الانسجام الداخلي والقدرة على رؤية العالم كما هو، وليس كما يُراد أن يكون.

العُسر في العلم: العباقرة الذين قلبوا المفاهيم

أينشتاين، بنظرة مختلفة للزمان والمكان، استخدم يده اليسرى ليكتب معادلات لم يفهمها إلا من فكر خارج الإطار. وماري كوري، في مختبرها، لم تلمس المادة فقط، بل شعرت بها، ويدها اليسرى كانت مرآة لحساسية العقل، وقدرته على الربط بين الأشياء المتناقضة، وفهم العالم بكل أبعاده، كأن اليد نفسها تعكس فلسفة التوازن بين المعرفة والخيال، بين الواقع والإبداع.

تحديات التاريخ والثقافة: صراع الوجود

لكن الطريق لم يكن سهلاً؛ اليد اليسرى ارتبطت بالشؤم والخرافة والرفض، كأن الطبيعة نفسها تفرض قيودها على المختلف. الأطفال العُسر في المدارس كانوا يُجبرون على استخدام اليد اليمنى، فتشوش الجسد والعقل معًا، واضطربت الحواس، وضاع جزء من الانسجام الطبيعي للفرد. اليوم، العلم يعلمنا أن اليد اليسرى ليست عيبًا، بل صوت الاختلاف، إعلان الحرية، رسالة الطبيعة بأن الحياة ليست نسقًا واحدًا، بل فسيفساء متعددة الألوان والأنغام.

اليد، الاختلاف، والإبداع: الخيار الإنساني

إن اليد اليسرى، كما رأينا، ليست مجرد أداة، بل مرآة للمرونة والاختلاف، تجسيد حي لتلك اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن ينظر إلى العالم من زاوية غير مألوفة. لكنها ليست سببًا وحيدًا للإبداع، ولا حكرًا على قلة اليد اليسرى. الإبداع الحقيقي ينبع من الوعي بالخيارات، ومن القدرة على تجاوز القوالب، ومن الجرأة على أن يكون الفرد مختلفًا في فكره ومشاعره.

العُسر يصبحون رمزًا حيًا للحرية الفكرية؛ تجربة وجودية تثبت أن التحديات، مثل استخدام يد مختلفة في عالم مصمم لليمين، يمكن أن تولّد مرونة، ابتكارًا، ونظرة جديدة للأشياء. أما اليد اليسرى نفسها، فهي هبة طبيعية قد تساعد على الربط بين نصفي الدماغ، لكنها تبقى مجرد أداة؛ أما ما يصنع الفرق فهو كيفية استخدام العقل، والخيال، والإرادة في خلق أفكار جديدة، وفي رؤية العالم من زوايا متعددة.

الاختلاف لا يولد الإبداع بالضرورة، لكنه يفتح الباب أمامه. والإبداع ليس حكرًا على القليلين، بل هو خيار إنساني، ووعي بالحرية التي يمنحها العقل والجسد معًا. هنا، اليد، سواء كانت يمنى أم يسرى، تصبح رمزًا للقدرة على التغيير، وعلى رؤية العالم من منظور أوسع، وعلى تحويل كل اختلاف إلى مصدر قوة.

اليد اليسرى كاستعارة

يمكن النظر إلى المقال ككل على أنه ليس فقط عن العُسر، بل عن المختلفين والمبدعين في كل المجالات. اليد اليسرى هي استعارة لكل من يختار طريقًا مغايرًا، لكل من يواجه تحدي النظام المهيمن (الذي صُمم “لليمين”) ويحوّله إلى مصدر قوة وإبداع. هي اليد التي تقول: “الحرية تبدأ بخطوة خارج المألوف، والاختلاف هو أصل كل ابتكار.”

سيمفونية الاختلاف والوعي

في النهاية، اليد، سواء كانت يمنى أم يسرى، ليست مجرد أداة، بل لغة الحياة نفسها. هي الجسر بين الفكرة والشعور، بين العقل والروح، بين الفرد والعالم. الجسم الثفني، ذلك الجسر الأعظم في أعماق الدماغ، يذكّرنا بأن القوة الحقيقية ليست في الانفصال، بل في القدرة على الجمع بين الأضداد، على رؤية التناقضات، وعلى تحويلها إلى تناغم.

العُسر ليسوا فقط أشخاصًا يستخدمون اليد اليسرى، بل رمز لكل من يختار أن يكون مختلفًا، لكل من يجرؤ على أن يرى العالم بعيون أخرى، لكل من يحوّل القيود إلى قوة، والصعوبات إلى ابتكار. الاختلاف هنا ليس مجرد صدفة جينية، بل رحلة وعي، خيار مستمر، تجربة حية تُعلمنا أن الإبداع ليس حكرًا على القلة، بل هو هبة لكل من يختار أن يخرج عن المألوف.

فلنحتفل باليد التي تختلف، بالدماغ الذي يربط، وبالوعي الذي يرى ما وراء الحواجز. فكل اختلاف هو سيمفونية، وكل اختيار غير مألوف هو لحظة من الحرية، وإشارة من الطبيعة بأن الحياة أوسع من قوالبنا المحدودة، وأننا قادرون على الإبداع، والتغيير، والابتكار في كل زاوية من زوايا هذا الكون.

في اليد اليسرى، نجد المرونة والاختلاف والحرية؛ وفي اليد اليمنى، نجد القدرة على التوازن والاستمرار؛ وفي القلب، نجد القدرة على الجمع بين الاثنين، لنكتب معًا سيمفونية الوجود.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top