تأجيل الانتخابات النيابية .. سقوط بلا مظلة!!

بقلم خالد صالح

يذكر الأديب العربي الكبير “ابن المقفع” في كتابه المعروف “كليلة ودمنة” أن قردًا ذهب إلى الأسد شاكيًا، فقال له: سيّدي، ألستَ ملك الغابة؟، فردّ الأسد بكبرياءٍ: بلى، هاتِ ما عندك !! فقال القرد: كلّما رآني النمر يسألني لِمَ لا ارتدي القبّعة ثم يضربني، لماذا يضربني؟ وأيّ قبعةٍ تلك التي عليّ ارتداؤها ؟.
هنا، زمجر الأسد وقال: لا عليك، أتركه لي !!.. بعد ساعات التقى الأسد والنمر، فسأل الأسد: ما قصّة القبعة تلك؟، فأجاب النمر: لاشيء يا سيّدي مجرّد سببٍ كي أضربه، فقال الأسد: خلّصني من شكواه الدائمة وابحث عن سبب وجيه، أطلب منه مثلًا إحضار تفّاحة، فإذا أحضرها صفراء اصفعه وقل له لماذا لم تأتِ بها حمراء، وإذا أحضرها حمراء اصفعه وقل له لماذا لم تأتِ بها صفراء.
وهكذا وافق النمر، وفي اليوم التالي طلب من القرد إحضار تفاحّة، فذهب القرد ثم عاد وأحضر تفاحتين واحدة صفراء والأخرى حمراء، عندئذٍ تمتم النمر قائلًا: وأين القبّعة ؟ وضربه من جديد .. فالظالم لا يحتاج سببًا لممارسة ظلمه ..

الاستخفاف ظلم

يكثر في الآونة الأخيرة الحديث عن تأجيل الانتخابات النيابية المقبلة في ربيع 2026، في شكل سافر ينمّ عن استخفاف باللبنانيين على اختلاف توجهاتهم، والأنكى من كل هذا أن البعض ممّن يدعون التمسّك بالمواعيد الدستورية ويجاهرون برفضهم لأي تطيير لهذا الاستحقاق هم من الأوائل الذين يبحثون جدّيًا في التأجيل تحت حجج صارت ممجوجة ولم تعد تمرّ على ذهن أحد .
بدأت المناورات السياسية لتحقيق أكبر المكاسب الممكنة من هذا التأجيل، حيث التقى الجميع من دون استثناء على مُسلّمة واحدة أن المجلس المنتخب هو من سيكون الهيئة الناخبة لرئاسة الجمهورية في الـ 2031، وعليه فإن التأجيل ضرورة ملحّة لهم خصوصًا أن تسارع الأحداث والتطورات المحلية والاقليمية يُمهد لهذا التأجيل الواقع حكمًا، إلا إذا حملت الأيام المقبلة ما لم يتوقعه أحد .
حتى المجتمع الدولي بدأ يفكّر جدّيًا بترحيل الانتخابات أقله حتى 2027 وأكثره حتى 2028، فالتأجيل لم يعد احتمالًا تقنيًا، بل صار سيفًا مُسلَّطًا على مستقبل بلدٍ يعيش أسوأ أزماته الاقتصادية والمالية والسياسية، لذلك، تقع المسؤولية المباشرة على عاتق الحكومة ورئيس الجمهورية، في منع أي محاولة لتعطيل هذا الاستحقاق أو تحويله إلى ورقة ابتزاز سياسي.

كلهم مشتركون

قبل أيّام حصل لقاء لم يخرج إلى العلن بين الرئيس نبيه برّي والنائب جورج عدوان، مع ما يمثلانه في الوسط السياسي، وتمحور الحديث حول إمكانية التأجيل، الرئيس بري عرض التأجيل لسنة بينما عرض عدوان لسنتين، ولكل منهما أسبابه ورؤيته، فإن كان الرئيس بري لايزال حاجة ضرورية محليًا وإقليميًا ودوليًا خصوصًا في هذه المرحلة التي يتطلب فيها الحوار مع شخصية “شيعية”، فإن عدوان بما يُمثله يذهب في عرض التأجيل إلى رؤية “قواتية” التي تبحث فيها عن وراثة “التيار الوطني الحر” الآخذ بالتهاوي والانحدار، وبالتالي إزدياد حظوظها بالوصول إلى قصر بعبدا .
“كلٌّ يُغني على ليلاه”، حتى “حزب الله” يعرف تمامًا أن الظروف الحالية غير مؤاتية لإجراء انتخابات نيابية في ظل ظروف أمنية خطيرة عليه وعلى قياداته تمنعه من الحركة بيسرٍ وسهولة خصوصًا أن المسيّرات الاسرائيلية المعادية لاتفارق سماء لبنان، فيما “التغييريون” سيكون التأجيل “هدية من السماء” إن وقع، لأن غالبيتهم يُدرك أن عودتهم إلى المجلس النيابي صارت صعبة جدًا كي لا نقول مستحيلة .
حتى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورغم تمسكهما بخطاب القسم والبيان الوزاري ومضمونهما، صارت الانتخابات بالنسبة إليهما في هذه الفترة غير مجدية، فالرئيس عون يريد أن تجري الانتخابات في ظل مناخات مغايرة عن التي نشهدها، تُتيح له الإتيان بكتلة نيابية معتبرة تطرح فكرة “التمديد” أو “التجدي” له عند بلوغنا نهاية العهد، خصوصًا إذا كان هناك من إنجازات تُسجل له، سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو الاقتصادي والمعيشي، بينما رئيس الحكومة يُدرك أن عودته إلى السراي الكبير محلّ شكّ كبير إن أجريت الانتخابات في موعدها الدستوري .

يكتبون نهايتنا

لبنان الذي غرق في الانهيار المالي منذ 2019، لم يتعافَ لا بالإصلاحات ولا بالوعود، وما بقي من شرعية الدولة يرتكز على إجراء انتخابات دورية تُعيد إنتاج السلطة وفق قواعد ديمقراطية، مهما كانت هشّة، أيّ تأجيل أو تعطيل لهذا الاستحقاق يعني ببساطة إعلان وفاة العملية السياسية، وتكريس واقع الدولة الفاشلة، فالانتخابات ليست تفصيلًا، هي الاختبار الأخير أمام المجتمع الدولي الذي يراقب لبنان بعين الشك ما يدور في السرّ وفي العلن .
من هنا فإن الفارق هذه المرّة أن أي تأجيل يعني الدخول في متاهات أقلها إمكان وقوع انفجار سياسي وديموقراطي، لاقدرة للبنان على تحمله، لأن الشعب الذي يتعرّض منذ ست سنوات للضرب من دون سبب رغم أنه يحمل بين يديه دائما التفاحتين الحمراء والصفراء، قد ضاق ذرعًا بالظلم اللاحق به على كل المستويات، وهو يرى أن المتحكمين بمقاليد حكمه يفكرون فقط في كيفية المحافظة على مكتسباتهم، وهذا قد يودي بالبلاد نحو فوضى مفتوحة .
إجراء الانتخابات في موعدها ليس فقط استحقاقًا لبنانيًا داخليًا، بل رسالة إلى العالم العربي والدولي بأن هذا البلد، رغم أزماته، لا يزال متمسّكًا بخيار الديمقراطية كطريق وحيد للشرعية ولن يقبل أن يصبح ساحة خالية من هذا الخيار، وعلينا جميعًا أن نرفع الصوت لا انتخابات مؤجلة بعد اليوم، لأن انتخابات 2026 الفرصة الأخيرة لوقف الانهيار وإعادة فتح نافذة أمل، ولو ضيقة، أما تأجيلها فهو جريمة سياسية مكتملة الأركان، لن يغفرها لا التاريخ ولا الشارع ولا العالم، وهو بمثابة “سقوط حرّ بلا مظلة” .

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top