
بقلم خالد صالح
يمرّ حزبُ الله اليوم بأكثر لحظاته حساسيّة منذ تأسيسه قبلَ أربعةِ عقود، فلا هو بوسعِهِ ممارسة دوره الذي يدّعيه كـ “مقاومة” ولا هو قادر على تحمّل المزيد من الجراحاتِ البليغة التي أصابت وتُصيبُ بنيته العسكرية وهي قاسية جدًّا، وبين استمرار الاعتداءات الاسرائيلية المجرمة بشكل شبه يومي وبين الحيرة التي يقبعُ فيها، يجد الحزبُ نفسه اليوم أسيرَ المقولة الشعبية “متل اللي بالع الموس” .
حزبُ الله اليوم أمام مفترقِ طرقٍ تاريخي ودقيق، إمّا أن يتكيّفَ مع التحوّلات الجيوسياسية ويتراجعَ تكتيكيًا للحفاظ على دوره كلاعب مؤثر، أو أن يصبح ضحية لتسوية إقليمية ترسمُ حدودًا جديدة لدوره في لبنان والمنطقة، حتى اللحظة، يبدو أن الحزب يقفُ عاجزًا عن الردّ الحاسم أو التراجع الذي يعتبره انكسارًا موجعًا، مما يجعلُ احتمالية تخلي إيران عنه في المستقبل كلاعب إقليمي أمرًا واردًا بقوة.
حزبُ الله يتكبّدُ الخسارة الأكبر جراءَ مناوراته السياسية ومواقفه الرمادية في هذه الظروف بالذات، ومنطق المماطلة والمزايدة ليس إلا إمعانًا في المجازفة بمصير لبنان عمومًا ومصير بيئته بشكلٍ خاص، فالحرب المستعرة في وجهه من الجنوب إلى الضاحية الجنوبية وصولًا إلى البقاع الشمالي والصمتُ المريب الذي يلعبه الحزب في مواجهتها، تفرض علينا جملة من الأسئلة لكن أبرزها : ماذا بعد ؟ .
يقف حزب الله هذه الفترة في منطقة وسطى وعليه المفاضلة بين “المشنقة” و “المقصلة”، فالوضع السياسي في وجهه بالغ التعقيد والخيارات ضيّقة جدًّا، وما تعرّض له خلال السنتين الفائتتين كفيلٌ بإظهار هذه المنطقة بوضوح رغم مرارتها، إذ يشعر اليوم أن “الهزيمة العسكرية” التي مُني بها رغم إدعاءات النصر الوهمية التي يطلقها على الدوام، بدأت تُرخي بظلالها القاسية والمؤلمة على تركيبته البنيوية وأن التفكك الداخلي قد يحصل في أيّ لحظة وأن مواصلة الرمادية في أدائه لن تُجدي نفعًا.
بين مخاطر التفكك والهزيمة أو مواصلة “عناده” والذهاب نحو صراعٍ ميؤوس منه هو كالمفاضلة بين “المشنقة” و “المقصلة” والنتيجة واحدة، إذ لاقدرة له على مواجهة التحدّيات التي تواجهه داخليًا وإقليميًا ودوليًا، خصوصًا أن موازين القوى لاتصبّ في مصلحته أبدًا لاسيما بعد فشل جميع الاستراتيجيات التي اتبعها، وقد سقطت على مدى السنتين الماضيتين قياداته العسكرية من رأس الهرم وصولًا إلى أجهزته المدنية ولم يستطع القيام بشيء سوى التزام الصمت والحيرة تأكله بشكل بطيء .
شكّلت عملية اغتيال الرجل الثاني ورئيس أركان الحزب “علي الطبطبائي” مؤشّرًا أن الحزب لايزال مكشوفًا وأن كلّ الأقوال عن استعادته لقدراته ذهبت أدراج رياح الخروقات الداخلية المُصاب بها، وأن “المكابرة” التي تتحكّم في رؤية قادته ستذهب به إلى “الهلاك” الحتميّ، ومعه ستذهبُ البقية الباقية من لبنان الذي لايزال يئنُّ من آثار الحرب التي جاءَت في خضم أزمات جمّة على كل المستويات.
أمام هذه الأجواء الملبّدة سياسيًا وعسكريًا واجتماعيًا، يقف “حزب الله” وللمرة الأولى عاجزًا عن اجتراح الحلول متمسكًا بعقيدته وبالأوامر التي تأتيه من وراء وراء الحدود، وأمامه جملة من الأمور التي لم يعد بوسعه التغاضي عنها، بدءًا من قرار وقف إطلاق النار قبل سنة وصولًا إلى القرارين الشهيرين للحكومة اللبنانية، وعليه التفكير مليًا في خطواته المقبلة لأنها محدودة الفعالية وكثيرة السلبيات عليه، ومنها:
● الرضوخ للموقف اللبناني والشروع في تنفيذ تسليم سلاحه للانتقال إلى المواجهة السياسية بعيدًا عن مفهوم “المقاومة” الذي سقط نتيجة “العقم” في الأداء على هذا المستوى .
● الرفض القاطع وهذا يعني التحضير لجولة جديدة من الحرب قد لا تُبقي ولاتذر منه ومن لبنان معه، وقد يدفع الأمور إلى عاقبة خطيرة على المستوى الداخلي .
● استعادة شكل “المقاومة” في فترة ما قبل العام 2000 وهذا ما لن يقبله العدو الاسرائيلي وقد تكون نتيجته التوجّه نحو توسيع مدى الحرب وربما بشكل أشدّ قساوة عن الأيام الـ 66 قبل سنة .
حتى الآن يبدو حزب الله “رهينة” للموقف الإيراني، وربّما في حال عادت طهران إلى المفاوضات قد يجدُ الحزب نفسه وبشكل تدريجي خارج المعادلة التي يُعمل عليها لشكل المنطقة مستقبلًا، لأن أي نتيجة إيجابية لهذه المفاوضات يعني انتهاء “المهمّة العسكرية” المنوطة به، مما يفرضُ عليه “التكيّف” مع المستجدات، وإلا فلن يجد لنفسه مكانًا على الساحة اللبنانية، إلا إذا استعاد تواضعه ونزل عن شجرة المكابرة وانخرط في السياسة المحلية كـ “فريق” من الأفرقاء، من دون أنياب “القوة” التي يجاهر بها عند كل مفترق للطرق .
في المحصّلة، حزب الله أمام خيارين “المشنقة” أو المقصلة”، لأن الخيار الثالث مرفوض كليًا لدى قادته، وربّما قد نقول يومًا “جنت على نفسها براقش” ..
