الزيارة البابوية هل تشكّل ضربة تموضع استباقية لعام 2026 دلالات استبعاد الزعماء المسيحيين من مراسم استقبال البابا في بيروت

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

أثارت زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان سلسلة قراءات سياسية متباينة، خصوصًا في ما يتعلق بغياب عدد من القيادات المسيحية البارزة عن مراسم الاستقبال الرسمي. وبينما اعتبر البعض أنّ هذا الغياب يحمل رسائل داخلية مرتبطة بموازين القوى، يرى آخرون أنه يدخل ضمن مقاربة بروتوكولية محضة حرصت عليها الدوائر اللبنانية والفاتيكانية على حدّ سواء.

أولاً: الإطار العام للزيارة
تمّ تنظيم الاستقبال وفق نموذج بروتوكولي محدود، اقتصر على:
رئيس الجمهورية،
رئيس الحكومة،
ممثلين عن الكنيسة المارونية،
وشخصيات رسمية من السلك الديبلوماسي.

الترتيب البروتوكولي وأثره السياسي

الترتيب البروتوكولي (مرسوم رقم ٤٨٠١) واقتصار الدعوات على شاغلي المناصب الرسمية (رؤساء، وزراء، نواب، سفراء، أركان قضائية وإدارية) دون رؤساء الأحزاب كان له أثر سياسي واضح.
استخدام البروتوكول الرئاسي، هل كان مجرد تنظيم لاستقبال، أم شكل في الوقت ذاته مناورة سياسية استباقية من القصر الجمهوري، بدعم من الدبلوماسية الفاتيكانية التي اختارت دعم المؤسسة الرسمية (الرئيس عون)؟ وهل أعطى هذا الإطار الانطباع بأن الرئيس عون أصبح في موقع مركزي بين الزعامات المسيحية، مع إمكانية بناء رصيد شعبي ودعم شرعي للسلطة الرسمية، وفتح المجال لاحقًا لتشكيل تحالفات نيابية جديدة؟

ثانياً: المقاربة البروتوكولية

تشير مصادر متابعة أن الفاتيكان — في الزيارات التي تحمل طابعًا روحيًا عامًا — يميل إلى تخفيف الحضور السياسي الحزبي، تجنبًا لظهور الانحياز.
وفي السياق اللبناني، يُفضَّل التركيز على: المؤسسات الدستورية، والمرجعيات الكنسية، من دون إشراك القوى السياسية المتنافسة، منعًا لخلق حساسيات داخلية.

ثالثاً: القراءة السياسية المحلية

على الرغم من الطابع البروتوكولي، لم يخلُ المشهد من دلالات سياسية داخل البيئة المسيحية اللبنانية، أبرزها:

  1. تعزيز موقع رئاسة الجمهورية
    ظهور الرئيس جوزاف عون إلى جانب البابا منح الرئاسة دفعًا معنويًا ورمزيًا، سواء قصدت دوائر القرار ذلك أم لم تقصده.
    فالصور والمشاهد العلنية غالبًا ما تُستثمر لاحقًا في الخطاب العام، خصوصًا في بلد يقوم جزء كبير من سياسته على الرمزية.
  2. غياب الزعامات المسيحية
    عدم دعوة رؤساء التيارات والأحزاب المسيحية الثلاثة الأكثر تمثيلًا — سمير جعجع، سليمان فرنجية، وجبران باسيل — أدى إلى طرح تساؤلات حول ما إذا كان ذلك يعكس:
    محاولة للنأي بالزيارة عن التنافس الحزبي، أو رغبة ضمنية في عدم منح أي فريق مكسبًا من حدث ذي بعد كنسي عالمي.

حتى اللحظة، لا توجد مؤشرات حاسمة تدل على قرار سياسي منسّق لاستبعاد هذه القيادات، كما لا تتوفر معطيات تربط الفاتيكان مباشرة بحسابات محلية تتصل بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة في 2026.

رابعًا: الانعكاسات المحتملة

من المبكر الجزم بتأثير الزيارة على المشهد المسيحي أو على مسار التحضيرات للانتخابات النيابية.
مع ذلك، يمكن تسجيل النقاط التالية:
ستستفيد رئاسة الجمهورية بطبيعة الحال من حضورها المركزي في الحدث.
ستعمد القوى السياسية المسيحية إلى قراءة الرسالة بالطريقة التي تخدم خطابها، سواء عبر التشديد على “الطابع البروتوكولي” أو إبراز “الإقصاء الرمزي”.
يبقى أن تأثير هذه الرسائل على المزاج الشعبي غير محسوم، خصوصًا في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي تطغى على أولويات المواطنين.

تدل المؤشرات الأولية على أن استبعاد الزعماء المسيحيين من مراسم الاستقبال كان أقرب إلى خيار بروتوكولي وإداري منه إلى موقف سياسي مُحكم الصنع.
غير أن ذلك لم يمنع الحدث من اكتساب تفسير سياسي داخلي، نتيجة طبيعة النظام اللبناني الذي تُقرأ فيه كل إشارة باعتبارها جزءًا من التوازنات الطائفية والحزبية.
تبقى الزيارة، في جوهرها، مناسبة روحية أساسية، فيما يبقى توظيفها سياسيًا رهنًا بالخطاب الذي ستعتمده القوى المحلية خلال الأشهر المقبلة، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top