
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
عندما حلّ السادس من كانون الأول ٢٠٢٥، لم يعد الحديث عن رينه معوّض مجرد استعادة لذكرى، بل هو استحضار لمشروع أُجهض بالقوة. هذا الاحتفال، في ذكراه السادسة والثلاثين، برعاية رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وبلافتة «الدولة الآن»، تجاوز كونه واجب عزاء إلى كونه إعلانًا سياسيًا جامعًا لا يقبل التجزئة، وخارطة طريق لا مناص منها في وجه التحلّل والانهيار.
يقدّم البوستر الرسمي للذكرى، بشعاره المكثّف «الدولة الآن»، مدخلاً واضحًا لفهم اتجاه الحدث ومقاصده السياسية. فصورة الرئيس رينه معوّض وهو يقبّل العلم اللبناني ليست تفصيلاً بصريًا بريئًا؛ إنها إعلان مباشر بأن الذكرى لم تعد مناسبة وجدانية فحسب، بل محاولة واعية لاستعادة رمزية الدولة في لحظة غيابها الفادح. كما أن الاختيار اللوني الحاد بين الأحمر (لون الدم والشهادة) والأزرق الداكن (لون المؤسسات والشرعية المتآكلة) يعكس بدقة توتّر المرحلة اللبنانية. أما وضع الرقم 36 كبيرًا، فهو تثبيت للزمن كجرح مفتوح يسأل: أين هي الدولة التي اغتيل من أجلها؟
إنّ الحشد الذي ضمّ ممثلي الرئاسات والبطاركة والموفدين الدوليين، لم يتجمّع في زغرتا لتأدية التحية العابرة، بل ليشهد على استعادة الرمز لشرعيته، مؤكدًا أن الدولة، وإن غابت، فإنها تبقى الفكرة الوحيدة التي تستحق النضال.
الرسائل الرسمية: الطائف كدستور مُعلّق والسلاح المُحتكَر
جاءت الرسائل الرسمية لتضع إطارًا صلبًا لمشروع معوّض الذي اغتيل. رسالة رئيس الجمهورية، العماد جوزاف عون، كانت واضحة لا لبس فيها: معوّض كان “رجل دولة بامتياز”، واغتياله لم يكن استهدافًا لشخص بل “محاولة لاغتيال مشروع وطني ولإجهاض فرصة السلام والاستقرار”. هذا التأكيد يضع الاستشهاد في سياقه الأعمق كصراع وجودي بين الدولة ومشروعها، وبين قوى الغياب والفراغ.
أما رئيس الحكومة نواف سلام، فكان خطابه بمثابة وضع النقاط على حروف الطائف المُعلّقة. تركيزه على أن “اتفاق الطائف لا يزال بانتظار التطبيق”، وشدّه على ضرورة “ترسيخ حصرية السلاح بيد الحكومة وحدها”، يمثل جوهر النزاع الراهن. إنّه إعلان بأنّ إعادة بناء الدولة تمر حتمًا عبر تفكيك احتكار القوة، وجعلها اليد الوحيدة التي تدافع وتقرر. هذا الإلحاح يضع الحكومة في موقع المواجهة الواضحة مع الواقع الأمني غير المنضبط.
خطاب ميشال معوض: مشروع النهوض الوطني
كان لخطاب رئيس «حركة الاستقلال» النائب ميشال معوض ثقل الأمانة التاريخية وإلحاح اللحظة الراهنة. إنه ليس مجرد ابن يحيي ذكرى أبيه، بل وارث مشروع يقرأ المستقبل بعين الذاكرة.
اغتيال المشروع: ربط ميشال معوض بين اغتيال والده وبين 36 عامًا من “الوصايات والهيمنة والاغتيالات وتدمير المؤسسات والاقتصاد والانهيار والهجرة”. هذا الربط ليس استذكارًا فحسب، بل هو إدانة تاريخية لمسار كامل سلكه لبنان خارج منطق السيادة.
الدولة والمفاوضات الوجودية: أبرز نقطة في الخطاب هي التشديد على أن “الدولة الآن هي الخيار الوحيد”، ومطالبته بضرورة أن تقود الدولة “مفاوضات مع إسرائيل أولاً، وأيضًا مع سوريا وإيران”. هذه دعوة جريئة لوضع لبنان خارج المحاور الإقليمية والدخول في مفاوضات سيادية لحل المشاكل العالقة. تحية معوض لقرار تعيين السفير سيمون كرم للمفاوضات مع إسرائيل، يجسّد ربط الرؤية الاستراتيجية بالخطوات التنفيذية.
ملامح مشروع النهوض الوطني: لم يقف الخطاب عند الأمن والسيادة، بل رسم ملامح ما أسماه ضمنًا بـ«مشروع النهوض الوطني» القائمة على اللامركزية، الدولة الحديثة الرقمية، الاقتصاد الشرعي المحرر من الفساد، والقضاء المستقل وإعادة حقوق المودعين. إنها رؤية شاملة تعلن أن “ليس قدرنا للانهيار”.
مثّل ميشال معوّض الوجدان العاطفي للحفل، بصوته الرزين الذي جمع بين الحزن والواقعية السياسية. لكن كلمات المشاركين كافة، تحت سقف الرعاية الرئاسية، اكتسبت وزنًا إضافيًا. لم يعد الكلام وصفًا للماضي، بل محاولة صريحة لتحديد اتجاه المستقبل في ظل إعادة التموضع الداخلي والإقليمي.
الوصلة الوجدانية: شهادة الفن على الوحدة
ما تخلل المشهد لم يكن بيانًا سياسيًا فحسب، بل تعبير وجداني صادق عبر لغة الموسيقى. الوصلة الموسيقية التي قدّمها المايسترو إيلي العليا والأوركسترا، عزّزت عنصر الانتماء الوطني وحوّلت الذكرى من حدث سياسي بحت إلى تجربة عاطفية مشتركة، رابطةً بذلك الرؤية السياسية والذكرى الشخصية بالتجربة السمعية الوجدانية.
إنّ رمزية الوصلة الموسيقية هنا رسالة ضمنية: حتى في الفوضى السياسية، يمكن للثقافة والفن أن يكونا أداة لتجسيد الوحدة والهوية الوطنية، ووسيلة لإعادة الاستقرار النفسي والاجتماعي.
من ذكرى إلى بيان سياسي
الذكرى السادسة والثلاثون لم تكن مجرد احتفال سنوي، بل كانت مشهدًا سينوغرافيًا كاملًا؛ حيث المنصة مسرح، والخلفية ذاكرة، والجمهور جمهور دولة.
بدءًا من الإخراج البصري المحترف والمنصة المرتفعة، وشاشة الـLED العملاقة التي عرضت صور الرئيس الشهيد ومقاطع من خطاباته، جاء المشهد كأنه محاولة واعية لإعادة وصل اللحظة الراهنة بمشروع دولة انقطع طويلاً.
ولكن حضور رعاية رئيس الجمهورية جوزاف عون أضفى على المشهد وزنًا إضافيًا، فأعطت الحدث ثقلًا سياسيًا، والخطاب أعاد إنتاج مشروع الدولة بوصفه خيارًا حقيقيًا، بينما الموسيقى وفرت جسرًا وجدانيًا يعكس حلم اللبنانيين بوطن جامع ومستقر.
لقد قال الحدث شيئًا واضحًا، بجميع رموزه ومكوّناته: “الدولة ليست فكرة غائبة… الدولة الآن.”
