
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
رهان باسكال وأوديسا الصمود
في أدبيات الفلسفة، يطرح المفكر بليز باسكال فكرة “الرهان”: نحن لا نملك اليقين المطلق بشأن الغيب، لكننا نملك الشجاعة لكي نختار أفضل مسار رغم عدم اكتمال المعرفة”. هذا المبدأ، الذي وُضع في سياق لاهوتي، تحول اليوم في لبنان إلى فلسفة حياة عملية تعتمد على “اللا يقين المربح”. فاللبنانيون يراهنون على العيش والصمود لأن كلفة خسارة الرهان (اليأس والانهيار النهائي) أعلى بكثير من كلفة الاستمرار والمحاولة، حتى لو كانت فرص النجاح غير مؤكدة.
ففي قلب بيروت التي لا تنام، رغم جراحها المفتوحة، لا يتردد مجرد سؤال عن البقاء، بل سؤال وجودي عميق: كيف نصنع الأمان في عالمٍ يتهاوى بنيانه حولنا؟ الإجابة اللبنانية، التي صيغت عبر أجيال من الصمود، تكمن في “الرهان الأعظم”؛ ليس مجرد مقامرة حظ، بل إعلان إرادة إنسانية على الحياة ذاتها.
إنها الأوديسا اليومية – الرحلة الملحمية الطويلة المليئة بالمخاطر واليأس، والتي تتطلب عودة لا هوادة فيها إلى الوطن رغم كل العواصف – لشعب يرفض أن يكون مجرد ضحية للظروف. يصرّ اللبناني على أن يكون بطلًا في دراما وجوده الخاصة، جذوره متشبثة بوطن يتنفس تقلبات لا تنتهي.
هنا، يغادر اللبناني دور المتفرج على أزمنة الاضطراب ليصبح الفاعل الرئيسي في مصيره. يعيش، عملياً، شجاعة باسكال: “نحن لا نعرف كل الحقيقة، لكن لدينا الشجاعة لنحاول.” في شرقٍ تتوالد فيه التحديات كقدر محتوم، يصبح الرهان على الغد ليس ترفاً، بل هو الخطوة الأولى والأخيرة نحو البقاء.
الرهان المادي: كسر معادلة تسعير اليأس (التحدي الاقتصادي)
لا ينظر اللبناني إلى هذه المقامرة الوجودية كعبء، بل كفرصة متجددة للنمو. إن كل قرار اقتصادي أو حياتي في زمن الانهيار هو درس في المرونة، لكن هذا الرهان يواجه تحديات مادية ضخمة تتجاوز الإرادة الفردية:
1. الانهيار المالي وتجميد الودائع:
الرهان على الرغيف في لبنان يتم اليوم على خلفية انهيار مالي غير مسبوق. مع تبخر أكثر من 98% من قيمة العملة الوطنية، أصبحت ودائع الأفراد خاضعة لقيود صارمة وتجميد فعلي. يتحول الرهان هنا إلى تحدٍ لحماية الأصول الباقية وسط نظام مالي يعاني من الشلل الهيكلي. هذا التحدي دفع المواطن إلى ابتكار حلول دفاعية، أبرزها الاعتماد على الدولار النقدي (المعروف محلياً باسم “Fresh Dollars”) والتعاملات خارج المنظومة المالية الرسمية. هذا الإصرار على العمل بالعملات الصعبة بعيداً عن النظام الرسمي هو ما أنتج “الاقتصاد الموازي”.
2. التضخم المُفْرط والهروب من “خدمات الظلام”:
اللبناني يراهن على الحياة اليومية في ظل تضخم جامح دفع بأكثر من 60% من السكان تحت خط الفقر. هذا التضخم لا يقتصر على الغذاء، بل يمتد ليشمل تكلفة الخدمات الأساسية التي تخلت عنها الدولة بشكل كامل. إن الاعتماد الكامل على المولدات الخاصة لتوفير الكهرباء، يحوّل الخدمة الأساسية إلى ضريبة باهظة تُضاف إلى كلفة المعيشة اليومية فيما بات يُعرف بـ “خدمات الظلام”. كما أصبح الوصول إلى الرعاية الصحية اللائقة أو التعليم الخاص بالدولار هو بحد ذاته امتياز، مما يوسع الفجوة الاجتماعية. إن السير على “الرمال المتحركة” للواقع الاقتصادي يتحول إلى تدريبٍ يومي على التوازن الدقيق بين تلبية الضروريات والحفاظ على الكرامة، مُحَوِّلاً الشك إلى محفّز للابتكار والإحباط إلى وقود للمرونة.
أخلاقيات الرهان: شجاعة القرار في عمق اللايقين (التحدي السياسي والمؤسساتي)
تتكون “أخلاقيات الرهان” اللبنانية من شجاعة اتخاذ القرار في أعمق درجات عدم اليقين، ومسؤولية تحمل تبعاته. هذه الشجاعة الفردية والجهود اليومية، التي يمارسها المواطن في سبيل تدبير شؤون حياته، تصطدم بجدار صلد من التحديات المؤسساتية المعيقة التي تحول بين إرادته وقدرة الدولة على توفير البيئة الصالحة للعيش.
يتمثل التحدي الأكبر في غياب المرجعية السياسية الصالحة للعمل والقادرة على القيادة. فالنظام القائم على المحاصصة الطائفية والمحاصصة السياسية أثبت فشله الذريع في إنتاج سلطة قادرة على اتخاذ القرارات المصيرية أو تنفيذ الإصلاحات الهيكلية الضرورية. إن هذا الشلل البنيوي في لبنان هو أكثر من عطل وظيفي عابر؛ إنه يمثل انهياراً كاملاً للعقد الاجتماعي الأساسي. هذا العقد، الذي يفترض أن تتخلى فيه الجماعة عن جزء من حريتها لصالح الدولة مقابل أن توفر لها الدولة الأمن والحماية والخدمات الأساسية، بات منتهكاً. ونتيجة لذلك، يدفع المواطن اللبناني اليوم لاستبدال هذا العقد الميت بـ “عقد صمود فردي” أو “تضامن أهلي”، حيث يضطر للقيام بوظائف الدولة بنفسه، من تأمين الكهرباء والماء إلى رعاية صحته وتعليم أطفاله.
إلى جانب هذا الشلل في القمة، يزدهر الرهان الفردي وسط منظومة فساد هيكلي تحمي نفسها عبر آليات داخلية معقدة ومتشابكة. فليست المشكلة هي وجود حالات فساد معزولة، بل تكمن في أن النظام نفسه مصمم لحماية الفاسدين. إن غياب استقلالية القضاء التام، وانتشار الحصانات السياسية والطائفية التي تمنع ملاحقة المسؤولين المتورطين، جعل أي محاولة للإصلاح الداخلي أو المحاسبة محكومة بالفشل. هذا الجمود الداخلي يدفع اللبناني إلى الرهان اضطرارياً على ديناميكية خارجية قوية، كدعم صندوق النقد الدولي أو تدخل المجتمع الدولي الفعال، باعتبارها طوق النجاة الوحيد القادر على كسر هذه الحلقة المفرغة من الفساد والإفلات من العقاب.
وفي المحصلة، فإن الرهان على قدرة الدولة على بسط سيادتها الوطنية وتوفير الاستقرار الاقتصادي يواجه باستمرار ضغط التدخل الإقليمي وصراع النفوذ على الأراضي اللبنانية. هذا الواقع يضع البلاد في حالة تأهب أمني دائم، ويقوّض أي فرصة للاستقرار الاقتصادي المنشود، ويجعل الدولة عاجزة عن بسط كامل سلطتها وإدارتها الحكيمة في هذه البيئة المتقلبة، مما يفاقم الانقسام السياسي ويضعف قرارها الوطني المستقل.
الرهان المُستَغَل: تداول الألم في سوق السياسة
في خضم هذا الرهان الوجودي والشجاعة الفردية التي يبديها المواطن، يتحول الألم والمعاناة إلى أدوات صراع سياسي مكشوف تستغلها الكتل والأحزاب الطامحة في الانتخابات النيابية 2026. هنا، يواجه اللبناني تحدياً جديداً وأخلاقياً: التمييز بين رهان الحياة الصادق وخطاب التلاعب البارد الذي يحاول أن يشتري صوته بما سُرِقَ منه.
1. الإتجار بانهيار الودائع (خطاب الضحية والمنقذ):
المرشحون التقليديون، وهم في الغالب جزء أصيل من المنظومة التي هندست الانهيار المالي، يستغلون ضياع مدخرات الناس للتنصل بوقاحة من المسؤولية، مع تقديم وعود مبهمة حول “استعادة الحقوق” عبر حلول غير واقعية. في المقابل، يركز مرشحو التغيير على محاسبة “حيتان المال” وتقديم خطط جذرية، محوّلين بذلك الوديعة المفقودة إلى قضية سياسية بامتياز لتعبئة الناخب. ولكن حتى مرشحو التغيير يواجهون تحدي الرهان المُستَحيل: فبدلاً من أن يتم تقييمهم على كفاءتهم، يضطرون للرهان على قدرة الناخب على تجاوز عقود من التبعية الزبائنية في بيئة تغرق في اليأس.
2. تحويل الفقر إلى رأسمال سياسي:
يتم استغلال حاجة الناس الماسة للمأكل والدواء عبر تقديم مساعدات عينية أو مبالغ مالية صغيرة في إطار ما يُعرف بـ “المال السياسي”. هذا التكتيك الفجّ يحوّل العملية الانتخابية من تقييم للبرامج والتشريع إلى سوق لتوزيع الحصص والخدمات الزبائنية، مما يعزز تبعية الناخب للشخص بدلاً من المؤسسة.
3. تأجيج الخوف والهوية (الحماية الطائفية):
يتم تضخيم التوترات الأمنية الداخلية والإقليمية لتأجيج خطاب الخوف الطائفي والمناطقي. هذا الاستغلال يهدف إلى إقناع الناخب بضرورة التصويت للكتلة التي “تحمي” طائفته أو منطقته، مما يحافظ على الانغلاق العمودي في المجتمع ويمنع تحول الطاقة الفردية إلى مشروع وطني جامع.
إن هذا الاستغلال يمثل تحدياً أخلاقياً عميقاً يضاف إلى تحديات البقاء. فالمرشحون يراهنون على يأس الناخب وضعف ذاكرته، بينما يظل الرهان الحقيقي هو قدرة المواطن على رؤية ما وراء هذا الخطاب والتصويت للمصلحة العامة.
التحدي الأكبر: من عبقرية البقاء إلى مشروع الأوطان
لكن عبقرية البقاء الفردية، وإن كانت مذهلة، لا تكفي لبناء مستقبل مستقر. التحدي الحقيقي هو نقل هذه الطاقة إلى حيز المشروع الوطني الجامع، في ظل استنزاف الموارد البشرية والمادية الذي يهدد ديمومة الوطن:
1. نزيف الكفاءات ورهان المستقبل الفارغ:
تعد الهجرة القسرية للكفاءات الشابة والمختصة – من أطباء ومهندسين ومعلمين – تحدياً وجودياً على المدى الطويل. الرهان على المستقبل يصبح فارغاً عندما تفقد الدولة جيلها الصاعد القادر على قيادة التعافي. هذا النزيف هو انعكاس مباشر لانعدام الثقة في قدرة الوطن على توفير الأمن الاقتصادي.
2. انكسار التضامن الوطني أمام الاستقطاب:
في ظل الاستقطاب الطائفي والسياسي الحاد، يواجه الرهان على العيش المشترك اختباراً صعباً. التوترات الأمنية الداخلية والإقليمية تهدد بتقويض السلم الأهلي الهش، وتحويل التكاتف الفردي إلى تضامن مناطقي أو طائفي ضيق بدلاً من تحوله إلى تضامن وطني واسع وعميق.
الرهان الأسمى اليوم هو رهان جماعي على إرادة العيش المشترك، رهان على مؤسسات تحمي ولا تستبِدّ، وعلى قضاء مستقل يكون حصن الحقوق. ولتحقيق هذا التحول الجذري، يتحول الرهان الجماعي إلى خطوات ملموسة تبدأ من القاعدة: دعم المبادرات الأهلية، والرهان على الكفاءة والنزاهة، ودعم الطاقات المستقلة التي ترفض منطق المحاصصة.
الأمل فعل مقاومة لواقع مرير
اللبناني، في نهاية المطاف، ليس شاهدًا سلبياً على فوضى محلية أو إقليمية، بل هو فاعل نشط في حقل التاريخ. زرع الأمل في تربة متعبة هو بحد ذاته فعل مقاومة وجودي. كل رهان يومي على العمل، على التعليم، على البقاء، على الجمال، هو نبضة حياة ترفض الموت واليأس.
شجاعة اللبناني ليست في عدم الشعور بالخوف، بل في المضي قدمًا رغم وجوده. طاقته الإيجابية ليست تهربًا من الواقع، بل هي السلاح الذي يحول القدر إلى خيار، والمصير المحتوم إلى رحلة فنية من صنع الإنسان.
في لبنان، حيث تختبر حدود الوجود البشري، يثبت الناس، يوميًا، أن الرهان الأكبر – رهان الحياة على نفسها – هو الرهان الوحيد الذي لا يمكن خسارته، طالما أن الإرادة حية. والسؤال الذي يطرحونه على العالم، من عمق تجربتهم، هو: إذا كان بمقدورهم أن يراهنوا على الحياة هنا، فأين حدود الإمكان البشري في أي مكان آخر؟
إن الرهان الأعظم اليوم هو ألا يتحول الوجود إلى مجرد عادة، بل إلى قرار يومي بالإصلاح. هذا هو الرهان الوحيد الذي يمكننا كسبه: تحويل شجاعة البقاء إلى مسؤولية بناء.
