
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
يشرع البرلمان اللبناني أبوابه عند الحادية عشرة صباحاً، وسط ضجيج سياسي ودستوري يتجاوز جدران ساحة النجمة. هذه الجلسة، التي تأتي كاستكمال لجلسة 29 أيلول الماضي، ليست مجرد موعد برلماني لإقرار بنود عالقة، بل هي “مواجهة كبرى” تختبر قدرة النظام على التوفيق بين “واقعية الضرورة” و”مشروعية الإجراء”.
مدخل إلى الاشتباك: أزمة النائب بين الحزب والمنطقة
في قلب هذا المشهد، تبرز أزمة “هوية النائب” اللبناني، الذي يجد نفسه اليوم ممزقاً بين سندان الالتزام الحزبي ومطرقة الضغط الشعبي. فلسفياً، نحن أمام صدام بين “الأخلاق المبدئية” وبين “الأخلاق النفعية” التي ترى في تأمين مطار القليعات أو منحة المتقاعدين واجباً أخلاقياً يسمو فوق التفاصيل الإجرائية.
هذا التنازع يبرز بوضوح في حالة نواب المناطق المحرومة والمستقلين؛ حيث يرى هؤلاء أن حرمان مناطقهم من مرافق حيوية بسبب خلافات إجرائية هو كلفة لا يمكن تحملها شعبياً. وبذلك، يشكل هؤلاء مع النائب جيمي جبور (عكار) ونواب “الاعتدال الوطني” حزاماً جغرافياً ضاغطاً يغلب “نبض المناطق” على الحسابات المركزية في بيروت، مما يجعلهم “العمود الفقري” الذي تعول عليه رئاسة المجلس لتأمين النصاب.
”الجمهورية القوية”: المقاطعة كفعل صمود دستوري
يتصدر تكتل “الجمهورية القوية” جبهة الرفض بموقف تفصيلي حاسم؛ فالمقاطعة هنا ليست مجرد تسجيل موقف، بل هي “واجب دستوري” لمواجهة نهج التلاعب بالنظام الداخلي، بما يعتبره التكتل خرقاً صريحاً لآليات التشريع وليس مجرد خلاف سياسي. ويرتكز موقفهم على إبطال “سلاح الابتزاز”، مؤكدين استناداً إلى المادة 60 أن بند المطار أُقر فعلياً ولا يحتاج لإعادة طرح، معترضين في الوقت ذاته على تغييب قانون انتخاب المغتربين وتهميش المكونات الميثاقية.
القوى الوسطية وصرخة الاغتراب
في مقابل هذا التشدد، يبرز تكتل “الاعتدال الوطني” كلاعب “براغماتي” يرفض رهن مصالح الشمال بالكباش السياسي. وبموازاتهم، يقف تكتل “تجدد” (معوض، ريفي، مخزومي، وعبد المسيح) في خندق الرفض الشامل، معتبراً أن تجاهل حقوق الانتشار اللبناني هو “اغتيال للديمقراطية” بأسلحة إجرائية.
فلسفياً، هي مواجهة بين “واقعية الفعل” (الرئيس بري وفرنجية) حيث الوجود يسبق الماهية، وبين “مثالية المبدأ” (المعارضة). أما تكتل “لبنان القوي” (باسيل)، فقد اختار منطقة “الوسط القلق”، مشاركاً بـ”حذر” لتجنب العزلة، مع تسجيل اعتراضه من داخل القاعة.
الاستشراف النهائي: سيناريوهات ما بعد “مطرقة” الافتتاح
على ضوء هذه التوازنات الحادة، تتجه التوقعات نحو مسارات ترسم ملامح المرحلة القادمة:
1. سيناريو “الولادة القيصرية” والنصاب الهش:
تشير المعطيات إلى نجاح الرئاسة في تأمين نصاب يتراوح بين 67 و70 نائباً. هذا النصاب “الهش” يعني أن الجلسة ستعيش تحت رحمة تقاطع مصالح نواب “الاعتدال” و”التيار” والمستقلين. هنا ستكون القوانين الصادرة بمثابة “ولادة قيصرية”؛ أي إخراج القوانين بالقوة الإجرائية رغم المعارضة الميثاقية الشاملة.
والخطورة تكمن في أن هذه القوانين ستكون “مطعوناً في شرعيتها” فور صدورها؛ فالمعارضة تتربص بتقديم طعون أمام المجلس الدستوري، مما قد يؤدي إلى “تجميد مفعولها”. وبذلك، قد يجد المتقاعدون وأهالي الشمال أن الوعود التي أُقرت في القاعة قد تحولت إلى مادة قانونية معلقة في أروقة المحاكم الدستورية، مما يعيد الأزمة إلى المربع الأول.
2. فخ “النصاب المتحرك” والانسحابات المباغتة:
تكتيك “الانسحاب التدريجي”؛ حيث يحضر بعض النواب لإقرار بنود تهم مناطقهم، ثم ينسحبون فور الوصول إلى بنود خلافية، مما يجعل الجلسة “مبتورة” وتفشل سياسياً في إغلاق جدول الأعمال.
3. اتساع الشرخ الميثاقي والتدويل الهادئ:
إن التشريع بغياب مكونات وازنة سيعزز منطق “الانقسام العمودي”، وقد يفتح الباب أمام ضغوط دولية واغترابية تربط المساعدات بمدى احترام حقوق الانتشار اللبناني والإصلاح الانتخابي الشامل.
بين مطرقة “الابتزاز” وسندان “الدستور”، يبقى المواطن هو الحكم. جلسة اليوم قد تمنح المتقاعد “رغيفاً” وتمنح عكار والشمال “مطاراً”، لكنها قد تسلب الدولة ما تبقى من “هيبة النص”. غداً، سيبقى السؤال الفلسفي قائماً: هل شرّعنا للناس لنبني وطناً، أم شرّعنا لأنفسنا لنحمي عروشاً من ورق؟
