المدارس الخاصة في لبنان: جشع منظَّم وتخلٍّ فاضح عن رسالة التعليم !..

بقلم غنوى بو ضاهر- ديمقراطيا نيوز

ما يجري في عدد كبير من المدارس الخاصة في لبنان لم يعد خللاً عابراً ولا أزمة ظرفية، بل انحداراً ممنهجاً نحو تحويل التعليم إلى تجارة رخيصة تُدار بعقلية الربح السريع، على حساب التلميذ، الأهل، ومستقبل المجتمع ككل.

تحت عناوين مكرّرة ومستهلكة، تواصل إدارات المدارس فرض أقساط مدرسية خيالية لا تتناسب لا مع الواقع الاقتصادي ولا مع مستوى التعليم المقدَّم. تُرفع الأقساط وكأنها أمر واقع، بلا شفافية، بلا محاسبة، وبلا أي التزام فعلي بتحسين المناهج أو تأمين بيئة تعليمية محترمة. يدفع الأهل أكثر، ويحصل أولادهم على أقل.

في المقابل، يتراجع المستوى التعليمي بشكل فاضح. مناهج ضعيفة، أساتذة مُنهكون أو غير مؤهّلين، رقابة تربوية شبه معدومة، وإدارة غائبة إلا عند جباية الأموال أو إصدار الإنذارات. الطالب لم يعد محور العملية التعليمية، بل عبئاً يجب ضبطه أو التخلص منه عند أول مشكلة.

الأكثر فظاعة هو الاستسهال الوقح لفكرة الإنذارات والطرد. بدل أن تكون المدرسة مساحة احتواء وتوجيه، تتحوّل إلى محكمة تأديبية تُصدر أحكامها بسرعة مذهلة على تلامذة لا ذنب لهم سوى أنهم أطفال أو مراهقون يمرّون بمراحل طبيعية من النمو. إنذارات لأسباب تافهة، تهديدات علنية، وطرد تعسفي يُمارَس كوسيلة ضغط على الأهل، في ابتزاز تربوي مفضوح.

هذا السلوك لا يعكس ضعفاً إدارياً فحسب، بل إفلاساً أخلاقياً. فالمدرسة التي تتخلّى عن دورها التربوي عند أول تحدٍّ، وتسارع إلى الإقصاء بدل المعالجة، لا تستحق أن تُسمّى مؤسسة تعليمية. هي مشروع ربحي متنكر بثوب التربية.

الأخطر أنّ هذا الواقع يحصل وسط صمت رسمي مخزٍ. وزارة التربية غائبة، الرقابة شكلية، والقوانين تُخرق بلا حسيب أو رقيب. تُترك المدارس لتفعل ما تشاء، ويُترك الأهل فريسة الخوف على مستقبل أولادهم، في بلد لم يعد فيه التعليم العام بديلاً فعلياً.

إنّ ما نشهده اليوم هو تدمير بطيء ومقصود لحق أساسي من حقوق الإنسان: الحق في التعليم الكريم والعادل. وما لم يُوضَع حدّ لهذا الجشع المنظَّم والتسيّب المقنّع، فإنّ المدارس الخاصة ستتحوّل من مؤسسات تربية وبناء إلى مصانع طرد وإحباط، تُخرّج أجيالاً محمّلة بالخذلان بدل المعرفة.

التعليم ليس امتيازاً، وليس سلعة، وليس وسيلة ابتزاز. ومن يتعامل معه على هذا الأساس، يجب أن يُحاسَب لا أن يُحمى.
في هذا السياق، أجرت «ديمقراطيا نيوز» حوارًا مع نقيب المعلمين في المدارس الخاصة نعمة محفوض، الذي شدّد على أن المدارس الخاصة لا يمكن وضعها جميعها في سلّة واحدة، مؤكّدًا أن قسماً منها حافظ على حدّ أدنى من التوازن بين الأقساط ورواتب المعلمين، مقابل مدارس أخرى تجاوزت في زياداتها كل الخطوط، ورفعت أقساطها إلى مستويات تفوق ما كانت عليه قبل عام 2019، من دون أي انعكاس فعلي على جودة التعليم.

ويطرح محفوض سؤالًا بالغ الخطورة: أين تذهب الأموال التي تجبيها بعض المدارس؟ معتبراً أن غياب لجان الأهل الفاعلة شكّل غطاءً لهذا الانفلات، إذ إن ما بين 80 و90 في المئة من هذه اللجان، بحسب تعبيره، “موجودة شكليًا فقط”، لا تحاسب، ولا تناقش، ولا تراقب. ويحمّل الأهالي مسؤولية مباشرة في استعادة هذا الدور، عبر انتخاب لجان تمثلهم فعلًا، لا لجان صامتة أو متواطئة.

ويشير محفوض بأن الجشع المالي ليس وحده ما يهدّد القطاع، بل الانهيار التربوي المتسارع. فهجرة الكفاءات التعليمية إلى الخارج بسبب تدني الرواتب أفرغت العديد من المدارس من خبراتها، وفتحت الباب أمام أساتذة غير مؤهّلين، يفتقرون إلى التدريب التربوي والنفسي.
ويؤكد محفوض أن التعليم ليس نقل معلومات، بل صناعة إنسان، وعندما تُفرَّغ هذه المهنة من بعدها الإنساني، تتحوّل المدرسة إلى مؤسسة شكلية بلا روح.

أما الأخطر، فهو اعتماد أساليب ضغط تصل حدّ الابتزاز التربوي: منع تلاميذ من دخول الامتحانات، حجب علامات، تهديد بالطرد، أو طرد فعلي في منتصف العام الدراسي بسبب الأقساط. ممارسات وصفها محفوض بغير التربوية، مشدّدًا على أن التلميذ ليس طرفًا في النزاع المالي بين الإدارة والأهل، وأن الزجّ به في هذا الصراع يشكّل اعتداءً نفسيًا وتربويًا صريحًا.

وفي ملف الرسوم الإضافية تحت مسمّى الأنشطة والرحلات، يرى محفوض أن تحويل هذه النشاطات إلى عبء مالي مفروض هو شكل آخر من أشكال الضغط غير المعلن، مؤكدًا أن أي نشاط غير إلزامي لا يحق للإدارة فرضه، وأن تدخل الدولة يصبح واجبًا عندما تتحوّل “الاختيارات” إلى إكراه.

ولا يقل خطورة عن ذلك، الاستسهال الفاضح لفكرة الإنذارات بحق التلاميذ لأسباب تربوية هامشية، وكأن المدرسة تبحث عن ذرائع جاهزة للتخلّص ممن تعتبرهم عبئًا. ويشدّد محفوض على أن دور المدرسة هو الاحتواء والمعالجة، لا الإقصاء والطرد، داعيًا إلى فرض الإرشاد النفسي والتربوي كجزء أساسي من أي مؤسسة تعليمية، ولا سيما في مدارس تدّعي الدمج والشمول.

ويختم محفوض بتحذير صريح: إن استمرار التعامل مع التعليم كصفقة تجارية سيقود إلى انهيار شامل في القطاع التربوي، الخاص والرسمي على حدّ سواء. فالمسؤولية هنا جماعية، لكن الصمت شراكة في الجريمة: صمت الوزارة، تواطؤ بعض الإدارات، غياب لجان الأهل، ودفع الأهالي ثمن الخوف على مستقبل أولادهم.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top