
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
مع تهاوي النقد اللبناني، لم يكن الانهيار مجرد فجوة مالية، بل زلزالاً أصاب “المعنى” في مقتل. هناك، انتقلت السلطة بذكاء من “إدارة الدولة” إلى “إدارة الذهول”؛ فلم يعد الهدف إقناع المواطن بجدارة الحاكم، بل إغراقه في “ارتياب متبادل” مع شريكه في المحنة، ليتحول الصراع من “عمودي” ضد المسبب، إلى “أفقي” بين الضحايا.
يُبحر هذا المقال في كواليس “الوعي المنهوب”، ليفكك الركائز التي حوّلت اللبنانيين من “كتلة محاسبة” إلى “جزرٍ إدراكية متصارعة” عبر أربعة مداخل تفكيكية: تبدأ من المختبرات الرقمية التي تُدجّن الغضب، مروراً بـ اللسانيات الحربية التي تُسقط الآخر رمزياً، وصولاً إلى سيكولوجية الحشد التي تُحوّل الخيبات إلى بطولات، وانتهاءً بـ خوارزميات الانعزال التي تحبس المواطن في فقاعة انحيازاته.
أولاً: لسانيات التحقير.. “الطفولة” كاستراتيجية للإعدام الرمزي
تتبدى في الفضاء الرقمي اللبناني لغةٌ مسكونةٌ بـ “التبخيس السلوكي الممنهج”، حيث يُعمد إلى تصوير الخصم السياسي في صورة “القاصر” الذي ما زال يتلمس أبجدياته الأولى. إن وصم الآخر بـ “القصور المعرفي” وتجريده من النضج ليس مجرد انحدار في لغة السجال، بل هو استراتيجية سيكولوجية تهدف إلى “نزع الأهلية المدنية”؛ فالكلام الذي يصدر عن “طفل” لا يستوجب عناء الرد المنطقي، بل يكفيه الاستخفاف والازدراء.
من وحي الواقع: تضجّ الحسابات الموجهة بعبارات تحقيرية تتجاوز النقد السياسي لتطال الكينونة العقلية؛ كقولهم: “سامي إذا تكلّم لا يدري ما يخرج من فمه”، أو تشبيه خطاباته بـ “ثغاء طفلٍ يجمع الحروف، فينتشي أهله بطلاقة لسانه المزعومة”. إن استخدام مصطلحات من قبيل “النتعة”، أو السخرية من الرؤى السياسية بوصفها تقع في “الأربعاء من منتصف الجمعة”، هي محاولات حثيثة لـ “تأطير الخصم” داخل زنزانة العجز العقلي.
المبتغى الإدراكي: إن الهدف من هذا “التحقير اللساني” هو إجهاض الحوار قبل ولادته، ونقل المعركة من “حلبة الأفكار” إلى “مسرح الهزء”؛ حيث يكتفي الجمهور بهتك “الشكل” ليتخفف من مؤونة ملاحقة “المضمون” أو محاسبته، فتضيع الحقيقة في ضجيج الضحكات المصطنعة.
ثانياً: استحضار الأشباح.. “الدم” كمثيرٍ شرطي للصدمة
تستمد هندسة الوعي في لبنان سطوتها القاتمة من آلية “الترهيب بالتاريخ”؛ حيث لا يُستحضر الماضي لاستسقاء العدالة أو إتمام المصالحة، بل يُنبش كخزانٍ من الأحقاد الجاهزة للاستعمال. إن تحويل التاريخ إلى “منصّة قصفٍ معنوي” يهدف إلى إعادة تفعيل الصدمات الجماعية، وتوظيف الدم كـ “مثيرٍ شرطي” يُعيد العقل الجمعي إلى حالة من الاستنفار البدائي، حيث يطغى “غريزة البقاء” على “منطق الحساب”.
من وحي الواقع: في أوج السجالات حول الانهيار الخدماتي، كملفي الكهرباء والفيول، يتم فجأة “تسييل” الذاكرة بكلماتٍ مشحونة برائحة البارود؛ كاستحضار تهم “المدان بدم رشيد كرامي وداني شمعون”، أو محاولة تثبيت الخصم في لحظة زمنية سحيقة عبر القول إنه “لم يتغير بعد أحد عشر عاماً خلف القضبان”. كما يُزجّ بأسماء كـ “مجازر صبرا وشاتيلا” في سياقات معاصرة، ليس بحثاً عن الحقيقة، بل لضرب العصب العاري للجمهور المستهدف.
المبتغى الإدراكي: إن الغاية من هذا “النبش الجراحي” للذاكرة هي خنق أي مراجعة عقلانية للواقع المرير؛ فالمواطن حين يُحاصر بـ “أشباح الفناء” وتُحيط به “أوهام المجازر المتجددة”، لا يجد بداً من اللياذ بـ “حامي القبيلة” صاغراً. إنها عملية “مقايضة إدراكية” كبرى: يُمنح الزعيم غفراناً كاملاً عن خطايا الانهيار المعيشي، مقابل وعودٍ هشة بـ “وهم البقاء” في وجه عدوٍّ تاريخي يُعاد اختراعه كل يوم.
ثالثاً: الترميم النفسي.. “تأليه” الخيارات وتذويب الخيبات
تجترح القواعد الشعبية في لحظات الانكسار آلياتٍ دفاعية مدهشة لعلاج “التنافر المعرفي” الذي يسببه الاصطدام بمرارة الواقع. فالخيارات التي تبدو في ميزان السياسة “إخفاقاتٍ كبرى”، تُعاد صياغتها وجدانياً في “مختبر الولاء” لتستحيل إلى “تضحياتٍ وجودية” لا مناص منها. إنها عملية “تأطير قدري” للفشل، تُخرج القرار السياسي من حيّز “المساءلة” إلى رحاب “القدر المحتوم”.
من وحي الواقع: تبرز في الخطاب الشعبي تبريراتٌ تأخذ شكل “الملاحم الوجدانية”؛ فالتنازلات القاسية تُغلف بعبارات مثل: “دخلنا اتفاق الطائف بلا مقابل لنحقن دماء شبابنا”، أو تبرير الانعطافات الحادة بـ “لم يعد هناك متسعٌ للأمل.. وكان البديل هو الانزلاق نحو الحرب”. وحين يضيق خناق المنطق وتنكشف عورات النتائج، تهرع الجماهير إلى “صمامات الأمان” الذهنية: “الحكيم ليس كل البلد” أو “التيار لم يكن هو المعرقل”، في محاولة مستميتة لرفع الملامة عن الرأس وتوزيعها على الجسد المترهل للواقع.
المبتغى الإدراكي: تهدف سردية “الخيار الوحيد” إلى حماية “صنم الزعامة” من التهشم أمام فأس الحقيقة. إن تحويل الإخفاق السياسي إلى “مأساة إغريقية”بطلها الزعيم المضطر، يحوّل المناصر من “ناقدٍ يطلب الحساب” إلى “مواكِبٍ يتجرع الصبر”. وبذلك، تستمر المنظومة في استهلاك “رصيد الوفاء” الشعبي، ليس بناءً على ما أنجزته من رفاه، بل بناءً على ما “منعته من كوارث” مُتخيلة، ليصبح الصبر هو الفضيلة السياسية الوحيدة المطلوبة.
رابعاً: الكبش الفدائي.. “تسييل” العجز وتحويل الفشل إلى مظلومية
تبلغ العبقرية السلطوية ذروتها حين تنجح في تحويل “العجز التقني” والقصور الإداري إلى “مظلومية بطولية” مشحونة بالعواطف. فالمسؤولية عن جفاف الصنابير وظلمة البيوت لا تُناقش كملفات تقنية خاضعة للمحاسبة، بل تُسند فوراً إلى “الخصم الغادر” الذي تتركز وظيفته في السردية السياسية على دور “المعرقل الأبدي”. إنها عملية “إزاحة إدراكية” تهدف إلى استبدال لغة الأرقام بلغة الاتهامات الوجودية.
من وحي الواقع: في ملف الكهرباء – ثقب لبنان الأسود – تُغيّب الجداول والبيانات لتفسح المجال لقاموسٍ من القذائف اللفظية؛ فتُستبدل النقاشات حول عقود الطاقة بكلمات مثل: “صفقات الفساد وبواخر الفيول”، وتُكال تهمٌ من عيار “العمالة، والذمّية، والغدر”. يصل السجال إلى ذروة التوظيف حين يُقال للخصم: “أنتم أفشل نواب ووزراء، إنما نشهد تفوقكم بالقتل”. هنا، يتم “تسييل” الفشل الإداري وتحويله إلى صراعٍ أخلاقي، حيث يبرز “الكبش الفدائي” ليتلقى طعنات المسؤولية بدلاً من المقصر الحقيقي.
المبتغى الإدراكي: إن صناعة “العدو المعرقل” تمنح المواطن “سكينةً مسمومة” وترياقاً زائفاً لكرامته المجروحة؛ فمن الأسهل على الوعي الجمعي أن يصدق أنه “ضحية مؤامرة كونية” تقودها قوى الشر، من أن يواجه الحقيقة المُرّة بكونه ضحيةً لسوء إدارة واختياراتٍ سياسية رثّة. وبذلك، يتحول الفشل من “وصمة عار” على جبهة السلطة إلى “وسام استهداف” يُعلّق على صدور القادة، مما يعزز التفاف الجماهير حولهم بدلاً من محاسبتهم.
خامساً: أنطولوجيا الشماتة.. تفكيك الإنسانية كخيانة للألم المشترك
تتجلى أقسى مخرجات هذه الهندسة الاجتماعية في ظاهرة “الشماتة الرقمية”؛ تلك التي تستهدف ضحايا العوز وقطع الأرزاق. فالشماتة هنا لا تشكل انفعالاً عابراً، بل هي سدٌّ سيكولوجي يُشيّد بعناية لمنع تقاطع الآلام وتحويل الوجع الفردي إلى وعي جمعي.
وفي هذا الإطار، يمكن تشريح هذه الظاهرة عبر مفهوم عالم النفس ألبرت باندورا حول “التحلل من الالتزام الأخلاقي”. فالسخرية والتنمر ليسا مجرد أدوات للمزاح، بل هما وسيلتان ممنهجتان لـ “اغتيال الصورة” وتجريد الآخر من كينونته قبل دحض فكرته. يظهر ذلك بوضوح في صناعة الألقاب التحقيرية مثل: “بعباع” أو “سئيييلاً يتهضْمَن”؛ وهي تسميات وظيفية تهدف إلى كسر “الهالة الإنسانية” للضحية وتحويلها إلى مجرد مادة للاستهلاك الهزلي.
تتغذى هذه الهندسة على “الوصم الكلي” الذي يربط الخصم قسراً بصفات تستدعي الاشمئزاز (كالعمالة أو العنف)، أو عبر تعميمات شمولية إقصائية مثل “هيك عالم” أو “قرطة”. هذه الاستراتيجية لا تهدف للاختلاف، بل لـ “إعادة صياغة الوعي” بحيث يُنفى الخصم من دائرة الاحترام أو الجدارة بالإصغاء، وفي المقابل، تُضخّم نرجسية “الجماعة الداخلية” وتُعزز مشاعر التفوق الزائف والانحياز الأعمى لها.
من الواقع: حين تضج الفضاءات الرقمية بعبارات مثل “فشلة على فشلة.. قطع الأرزاق هو الحل”، نحن لا نرى نقداً، بل نشهد تمزق “خيط التضامن الوجودي”. عندما يشمت المواطن بفقر أخيه، فإنه يمنح المنظومة أثمن هداياها: الاستدامة عبر الانقسام. فالمجتمع الذي تنجح أدوات “التحلل الأخلاقي” في تفتيت أنينه، لن يمتلك يوماً حنجرة واحدة لتوحيد صرخته.
نحو استقلال الإدراك.. استعادة السيادة على الذات
إن الانعتاق من أصفاد الأزمة اللبنانية يبدأ بـ “محو الأمية السيكولوجية” كفعلِ مقاومة أول. على المواطن أن يدرك أن “حرائقه الوجدانية” تجاه شريكه في الوطن، وانحيازاته العمياء لتبرير عثرات زعيمه، ليست إلا “سلعاً شعورية” صُممت بدقة داخل غرف العمليات الرقمية لتفتيت الوعي الجمعي.
التحرر الحقيقي يبدأ بمساءلة هذا الوعي بسؤالٍ واحد: “لماذا يُدفع بي لكراهية شريكي في هذا التوقيت تحديداً؟”. إن استعادة الوعي هي الركيزة الأولى لاستعادة الوطن؛ فالعقل المستلب إدراكياً عاجزٌ عن البناء، واليد المكبلة بالوهم لا تملك القدرة على التحرير.
