
بقلم جوزاف وهبه
“ما حدا أحسن من حدا”، هكذا يمكن اختصار خطاب ومواقف وردّات فعل “الطوائف والمذاهب اللبنانيّة” في علاقاتها ببعضها البعض، بعيداً عن المجاملات الرسميّة التي تتخلّلها ضيافة مفتٍ وشيخ لبطريرك من هنا، أو كلام منمّق لمطران وكاهن من هناك..أو حتّى كلام رسمي عن “التعايش الذهبي” وعن “النموذج اللبناني” المخضّب بدماء الحروب الأهليّة المتكرّرة، وبالإنتكاسات السياسيّة التي تُثقل كاهل الوطن والمواطن في آنٍ واحد!
“الناس”، وللأسف، في مكان آخر:الخطاب الرسمي جميل ممتع جذّاب..ولكنّ السلوكيّات على أرض الواقع “خناجر وسيوف وأسواط..وتكفير وتعالٍ وتمايز عن الآخر”، وكأنّ لكلّ مذهب ربّه وملائكته وجنّته..وجهنّم دائماً من حصّة الآخرين.ومنعاً للإتّهام بالتجنّي أو بإضعاف “الروح الوطنيّة” على حدّ تعبير (ومقصلة) سرديّة “البعث” المتحوّل على طريقة علي حجازي، إليكم ما تمّ وجرى في المرحلة الأخيرة القريبة، والقريبة جدّاً:
مع اقتراب الأعياد المجيدة، ومع قدوم البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، رأت متاجر “آيشتي” الشهيرة أن تستقبل الحدثين بأسلوب معاصر، حيث استعان صاحبها (وهو للمناسبة مسيحي أبهً عن جدّ) بفنّانين مختّصين (مسيحيّين) لإقامة زينة ذات طابع بيزنطيّ بما يجمع بين الماضي العريق والطقوس المسيحيّة..فكانت زينة ولا أبهى في أسواق وسط بيروت؟ ولكنّ ذلك لم يمنع مجموعة من المسيحيّين من الإستنفار على مواقع التواصل الإجتماعي “مهاجمين” هذه الزخرفة، إلى حدّ وصفها بما يشبه “زينة رمضان” في نوع من التقليل من قيمتها، واتّهامها بالإبتعاد عن الأشكال التقليديّة للميلاد ورأس السنة.وهم، بغضّ النظر عن الخطأ الفنّي الذي وقعوا فيه، قد أساؤوا إلى الطوائف الأخرى في نوع من التعالي والتمايز غير المفهومين وغير المبرّرين، إلّا بذاك “النفَس الطائفي اللبناني” البعيد كلّ البعد عن صيغة التعايش الذي نتكلّم عنه كثيراً، ونمارسه بالقليل القليل!
في المقابل، هناك فيديو (أو أكثر) جرى تسريبه في طرابلس عن “تحريض” (باسم الإلتزام الديني والإلتزام بالتعاليم الدينيّة) قام به مدرّس في إحدى الثانويّات (المناهج العلميّة) ويقوم على تصوير حوار مع تلامذة صغار يدور حول الإمتناع عن المشاركة في احتفالات عيدي الميلاد ورأس السنة الميلاديّة، تحت عنوان “مخالفتها” لتعاليم الدين الحنيف..وإذا كان ذلك صحيحاً، فلماذا اللجوء إلى “التكفير والإشراك” بما يسيء إلى الطوائف الأخرى، وكذلك في “نفَس طائفي” يتشابه في عصبيّته وتخلّفه مع ما قام به مواطنون لبنانيّون (منذ أكثر من عشر سنوات..) في القاطع الآخر من هذا الوطن الصغير الذي لم يعد يحتمل أو يتّسع لكلّ هذه الكراهيّة، أكانت باسم الدين، أو باسم السياسة ومصالح الطوائف؟
نعيش وسط “كذبة كبيرة”.صحيح أنّ الإستنكارات، عند كلّ انزلاق من هذا النوع، تتعالى من هنا وهناك، ولكنّها لم تعد كافية لتبييض الصفحات، أو للقول أنّ البلد في خير.كلّا، لسنا في خير.أكان في بيروت التي تنتفض في كلّ مناسبة، كما عند “تقديم وتأخير الساعة” أو عند “شُبهة التلوّث في مياه تنّورين”..أو كان في طرابلس التي تحتفل بإضاءة شجرتي ميلاد عند مستديرتي النيني والشراع، وتفتتح موسم الميلاد في معرض كرامي الدولي، وفي الوقت نفسه تشهد تأييداً وتظاهرة دعماً لما قام به “المعلّم” الذي جرى فصله من المدرسة. كما شهدت من قبل حرقاً لمحلّ “ريتيكا” في وسط المدينة التجاري، ومنعاً في الميناء لمسرحيّة ساخرة بحجّة الإساءة إلى الرموز الدينيّة، مروراً ب”التوقيف الرسمي” للكوميدي ماريو مبارك في مطار رفيق الحريري “مراضاةً” للمرجعيّات الكنسيّة في البلد!
“لعبة الطوائف والمذاهب” باتت حجر عثرة أمام الخروج من النفق الأسود، كما هو “السلاح غير الشرعي” بيد حزب الله.لم يعد ينفع الترقيع والمحاباة.لم تعد تنفع أنصاف الحلول.ربّما نحتاج إلى وليّ للعهد كما هو “الأمير محمد بن سلمان”.ربّما نحتاج إلى “أتاتورك”..ربّما نحتاج إلى “ثورة ثقافيّة” يشارك فيها أمثال فولتير وجان جاك روسو ومونتسكيو في فرنسا، أو أمثال التنويريّين في أميركا كجون لوك وبنجامين فرانكلين وجون آدمز..أو أقلّه العرب أمثال رفاعة الطهطاوي ومحمد عبدو وقاسم أمين…على سبيل المِثال وليس الحصر!
طائفيّة من فوق..وطائفيّة من تحت، والبلد إلى مزيد من الإنهاك والتعثّر:أين المفرّ؟
