
بقلم غنوى ابوضاهر – ديمقراطيا نيوز
منذ أكثر من عقد ونصف، تحوّلت إضاءة شجرة الميلاد في مدينة طرابلس من مناسبة موسمية عابرة إلى فعلٍ رمزيٍّ راسخ في وجدان المدينة وأهلها، تقوده جمعية “إنماء لبنان” كرسالة إنسانية جامعة في وجه الأزمات والصور النمطية ومحاولات التشويه المتكررة.
في هذا السياق، أجرت «ديمقراطيا نيوز» مقابلة مع مديرة جمعية “إنماء لبنان”، الآنسة جنى العبد، التي استعرضت المسار الطويل لهذه المبادرة، وأبعادها الاجتماعية والإنسانية، والدوافع التي جعلتها تستمر رغم أقسى الظروف.
توضح العبد أن جمعية “إنماء لبنان” حصلت على ترخيصها الرسمي في 14 آذار/مارس 2007، وبدأت عملها الفعلي في مدينة طرابلس عام 2010، حيث كانت باكورة أنشطتها إضاءة أول شجرة ميلاد على دوّار النيني. ومنذ ذلك التاريخ، لم تنقطع هذه المبادرة، لتدخل عامها السادس عشر على التوالي.
وتؤكد أن مبادرة شجرة الميلاد بالنسبة للجمعية “ليست احتفالًا موسميًا”، بل مسارًا متكاملًا هدفه ترسيخ صورة طرابلس كمدينة حياة وفرح وانفتاح، ومدينة تتسع لجميع أبنائها على اختلاف انتماءاتهم الدينية والثقافية.
وتضيف: “منذ السنة الأولى، كان الهدف واضحًا: أن يكون الفرح مشتركًا، وأن يجد أبناء المدينة دائمًا ما يجتمعون حوله رغم كل الأزمات”.
وحول دور هذه الاحتفالية في تعزيز ثقافة الاعتدال والعيش المشترك، تشير العبد إلى أن إضاءة الشجرة تخلق مساحة رمزية مشتركة، يلتقي فيها أبناء طرابلس خارج أي تصنيفات أو اصطفافات. فهي، بحسب توصيفها، ليست حدثًا دينيًا بقدر ما هي مناسبة إنسانية جامعة، تعيد التأكيد على أن تنوّع المدينة عنصر غنى لا انقسام.
وتشير الى أن الحضور المتنوع سنويًا، من مختلف أطياف المجتمع والديانات، وبعيدًا عن أي خطاب متشنج، يسهم في ترسيخ قيم الاعتدال، وبناء الثقة، وإعادة وصل الروابط الاجتماعية داخل النسيج الطرابلسي.
و في مواجهة ما يُبثّ على وسائل التواصل الاجتماعي من صور وروايات سلبية عن طرابلس، تؤكد العبد أن هذه الصورة لا تعبّر عن حقيقة المدينة.
وتقول بأن جمعية “إنماء لبنان” عملت على مدى سنوات عبر مبادرات متعددة، من شجرة الميلاد إلى المعارض والأفلام الترويجية، لإبراز الوجه الحقيقي لطرابلس.
وتصف العبد المدينة بأنها “مدينة تاريخ وعلم وثقافة وتنوّع، مدينة الناس الطيبين والمبادرات الأهلية والتكافل الاجتماعي، ومدينة نابضة بالحياة قادرة على النهوض في كل مرة رغم التحديات”.
الفرح كحاجة إنسانية لا كترف
أما عن سرّ الإصرار على الاستمرار في هذه المبادرة رغم الأزمات الاقتصادية والمالية والصحية والأمنية، فتؤكد العبد أن القناعة الأساسية لدى الجمعية هي أن الفرح ليس ترفًا، بل حاجة إنسانية ملحّة، خصوصًا في الأوقات الصعبة.
وتشير إلى أن الجمعية حافظت على وجود الشجرة حتى في أصعب المراحل، من أيام الاحتجاجات الشعبية إلى جائحة كورونا، ولو بشكل رمزي ومن دون احتفالات، باعتبارها رمزًا للتلاقي ورسالة أمل بأن الحياة مستمرة، وأن طرابلس لا تستسلم مهما اشتدت الظروف.
وحول حادثة محاولة إحراق الشجرة سابقًا ، توضّح العبد أن الجمعية تعاملت مع الأمر بهدوء ومسؤولية، وحرصت على عدم تضخيم الحدث إعلاميًا أو تحويله إلى صورة تختصر المدينة. فقد جرى إصلاح الأضرار سريعًا ومنع استغلال الحادثة لتشويه صورة طرابلس.
وتؤكد أن ما حصل لم يزرع الخوف، بل عزّز الإيمان بأن الوجه الحقيقي للمدينة أقوى من أي محاولة عبثية، والدليل هو التفاف أهالي طرابلس المتزايد حول المبادرة، ومطالبتهم سنويًا بإضاءة الشجرة في وقت أبكر، تعبيرًا عن محبتهم لها.
و ختمت العبد بالتأكيد أن إضاءة شجرة الميلاد ستستمر في السنوات المقبلة على دوّار مستشفى النيني، كجزء من رؤية أوسع لتعزيز التلاقي والمحبة. كما تعدد مبادرات سابقة، كالمعارض الميلادية ومعارض ليالي رمضان في معرض رشيد كرامة، إضافة إلى الفيلم الوثائقي القصير الذي أُنجز خلال مناسبة “طرابلس عاصمة للثقافة”.
وتكشف العبد ل”ديمقراطيا نيوز” أن عام 2026 سيشهد مشاريع جديدة ومبادرات نوعية في شهر رمضان والميلاد، استمرارًا لمسار طويل هدفه إظهار الصورة الحقيقية لطرابلس: مدينة الحياة، والفرح، والإنسان.


