“واقع أبو عمر دهاء” و “رضاالسياسيين غباء”

بقلم خالد صالح

حاولت طوال الأسبوعين الماضيين النأي عن تناول قضية “أبوعمر” لسببٍ وحيد، “الدهشة” ممّا سمعت وقرأت من تفاصيل تجعلُ الحليم حيرانا والحكيم سكرانا، وكنتُ اعتزم عدم تناول هذا الموضوع بشكل مباشر، لأنني أفهم أن من جوانب السياسة النفاق والمكر والخداع والدهاء وحتى الذكاء، لكنني أبدًا لم أتوقع أن يكون أيضًا من جوانبها “الغباء” ..
من هو “أبوعمر” هذا الذي تحوّل بين ليلةٍ وضحاها إلى “مالىء الدنيا وشاغل الناس”؟، وهل حقّا يتمتّع هذا الرجل بهذه الوفرة من الدّهاء والذكاء، كي تقع في شباكه “ثلة محترمة” من السياسيين اللبنانيين الباحثين عن موطىء قدم لهم على أعتاب المملكة العربية السعودية، أم أن “غباء” هذا “الثلة” هو من أظهر “أبوعمر” وكأنه فريد عصره ؟.
ندرك أننا أمام حالة تأمل عميق في طبيعة المشهد – المضحك المبكي – السياسي والاعلامي في لبنان، إذ هناك دومًا “قطبة مخفية” وراء كلّ شيء، وليس كلّ ما نسمعه هو الحقيقة وليس كلّ ما نقرأه هو الصواب، في لبنان لاتُعرض فيه الحقائق كما ينبغي، بل تحكى وفقًا لمقاييس “المناسب” لا “الصادق” و “النافع” لا “الواجب” ..

لم أرَ “أبوعمر” هذا ذكيًا أو خارقًا، لكنني رأيت كمّا هائلًا من “الغباء” لدى بعض السياسيين الذين “صدعوا رؤوسنا” بتصريحاتهم وإطلالاتهم الإعلامية، لم أرَ “الأمير الوهمي” بل رأيتُ “سياسيين وهميين” يحاولون بناء مجدهم على أباطيل، مجموعة ساذجة تتعلّق بأحبال “الوهم”، هذه المجموعة التي لاتعرف أبدًا التفريق بين “الخيال” السياسي و “الوهم” السياسي !!
الوهم عمومًا هو “التصورات والأفكار والخرافات التي يعتقد المرء بصحتها من دون أي أساس واقعي ومنطقي وعقلي وعلمي، وبأنها قابلة للتحقق في الواقع، كما إنه رغبات تأخذ صورة الحقيقة من دون التفكير المنطقي – الواقعي بإمكانية تطابقها مع مطلب الحياة وحاجاتها ومع منطق الأشياء والوقائع، فكل ما ليس بممكن الحدوث الآن ولا في المستقبل هو وهم”، وبالتالي تبدو ضربا من “الوساوس القهرية” و”الهلوسة السمعية والبصرية” أكثر منها نوعًا من التأمل والشرود الخلّاق.
هذه الكلمات ليست مجرد توصيف لهذه الحالة المتشابكة بين “الذكاء” و “الغباء”، بل هي أشبه بـ “عدسة” مكبرة تكشف عن الطبقات العميقة من العلاقات المتشابكة بين السلطة والسياسة والإعلام، فالسياسة التي يمكن توصيفها في هذا الواقع ليست “فن الممكن”، بل “فن التضليل المقنّع”، حيث النفاق ليس خطأً عارضًا، بل آلية عمل، وحيث الدهاء ليس مهارة فردية، بل شرط وجود.
نعود إلى “أبوعمر”، هذا الرجل الذي برز “ذكيًّا” بل “خارقًا في ذكائه”، ونسأل: ما الذي رفعه إلى هذا المستوى من الذكاء؟، هل هو بالفعل هكذا أم أن غباء البعض ممن كنا نعتقد أنهم أذكياء أظهره متقدمًا عليهم؟، أنا لا ألوم “أبوعمر” على ذكائه، فهو أولًا وآخرًا استثمر موهبته في إدارة “النصب والاحتيال” واقتنص الفرصة تلو الأخرى أمام “غباء” البعض، اللوم كلّ اللوم على أولئك الذين جعلوا من “أبوعمر” سيّدا لهم يؤدون له “فروض الطاعة”، ويفتحون له “خزائن مكرماتهم” !!
هنا السياسة تبدو مثل “خشبة مسرح” هزلي ساخر، ويقف الإعلام كـ “الستارة” تُرفع وتُسدل بإيماءة من المخرج، حتى الممثل يتقيّد بهذه الأوامر، الكثير من الوجوه الاعلامية، التي تتصدر الشاشات وتملأ الفضاء ضجيجًا وتحليلات “خنفشارية” صبح مساء، وهي في الحقيقة ليست إلا ظلالًا – من حيث يعلمون أو لا يعلمون – لمدير يقف خلف الخشبة ويتحكّم في السيناريو والبداية والنهاية الموضوعة مسبقا بعناية شديدة، لتحقيق الغاية المرجوة منها، لكن الشيء الأساسي يبقى غائبًا وهو “الحقيقة” ..
كل التحليلات والقراءات ركزت على “الأمير الوهمي”، أسلوبًا وطريقة احتيال وما إلى ذلك، لكن لم يتجرأ أحد على تناول الذين اقتنعوا بـ “روايته” وصدقوا مزاعمه، ما هي غاياتهم ولماذا لجأوا إلى الطرق الملتوية والملتبسة رغم أن القنوات الرسمية معروفة وواضحة؟، لنسألهم بالمباشر من دون لف ودوران، ما الذي دفعكم للتعاطي مع “الأمير الوهمي” من دون تكليف أنفسكم عناء الاتصال بأي قناة رسمية للاستفسار، كما فعلت السيدة بهية الحريري؟ ..
الخيال الذي ساقوه لنا عن “ذكاء أبو عمر”، كان أمرًا مدروسًا وبعناية كبيرة لهدف واحد، التستر على “غباء” من تعامل مع هذا الرجل، محاولة “حجب الشمس بالغربال”، هذا الخيال المموّه والمصفّى من كل ما هو “حقيقة”، أرادوه أن يتكلّم بلسان ما، رسموا له ما يقول ومتى وكيف ولأي سبب، المهم حرف الأنظار عن الحقيقة، حقيقة أن هذا الرجل ليس خارقًا، بل جعلوا منه على هذا الصورة كي يخفوا عن الناس الدرجة الرفيعة من “الغباء” التي يتمتعون بها .
في السياسة لاشيء يأتي بالمصادفة، لأن السياسة والتلقائية لا يجتمعان، لهذا علينا في مسألة هذا “الأمير الوهمي” أن نقرأ من زاويتين، الأولى : من أعطى الأمر لهذا الرجل بتنفيذ فكرته ومن أعطاه التغطية؟، الثانية، من شجعه من السياسيين بإظهارهم حالة القبول والمساكنة مع شروطه وسطوته الفارغة إلا من أوهامهم ؟.
لقد أرادوا منا أن نصنع “رواية” مغايرة للواقع، وارادوا لناأن نشاهد ما رسموه لنا وأن نصدق ما نراه على أنه “الحقيقة”، .. لكن “الحقيقة” من منظار نفسها تقول “واقع أبو عمر دهاء” و “رضا السياسيين غباء” .. تعيشوا وتاكلوا غيرها .. وإلى اللقاء في العام الجديد ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top