تجلِّياتُ الحُبِّ في مِحرابِ القَوَّة عن الهشاشة التي صنعت أعظم القادة..

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​في ردهات السلطة التي تسكنها أشباح “ماكيافيلي” وبراغماتيته المتجهمة، يبدو الحديث عن “الحب” نوعاً من الجسارة الفلسفية أو ربما الترف الذي لا يملكه الكبار. لقد نجح الخطاب التقليدي في حقن أذهاننا بأسطورة “القائد الفولاذي”؛ ذلك الكائن الذي صُمم ليكون أصماً أمام نداءات القلب، وكأنَّ العاطفة في منطق السيادة ليست سوى “ثغرة أمنية” أو كعب أخيل عاطفي قد يتسلل منه الوهن ليقوض أركان الدولة.
​غير أنني حين أتأمل سِيَر الذين حفروا أسماءهم في ذاكرة التاريخ، أجد حقيقة مغايرة تماماً: الحب لم يكن يوماً نقيضاً للقوة، بل كان هو “الرادار” الأخلاقي والصمام الوجداني الذي حمى العظماء من الارتطام بقاع القسوة العدمية. إن السلطة تمنحك القدرة على الإخضاع، لكن وحده الحب يمنحك الأحقية في البقاء إنساناً.

​سيكولوجيا النفوذ: لماذا نحتاج إلى “هشاشة واعية”؟

​إن الربط التقليدي بين القوة والقسوة هو إرث بدائي يخلط بين الهيبة والترهيب. في فقه القيادة الحديث، نكتشف ما نُسميه “الهشاشة الواعية”؛ وهي ليست ضعفاً أو استسلاماً، بل هي قرار شجاع بأن يظل القائد “قابلاً للتأثر” في عالم يدفعنا جميعاً نحو التبلد. القائد الذي يجرؤ على كشف قلبه لا يكسر درعه، بل يعطي الناس سبباً حقيقياً للإيمان به؛ ليس كآلة صماء لاتخاذ القرار، بل كبشرٍ يدرك أبعاد الألم الإنساني.

​ماركوس أوريليوس: صرامة الإمبراطور ولين الفيلسوف

​تخيل ماركوس أوريليوس، أقوى رجل في عصره، وهو يقود فيالقه وسط نيران الجبهات، ثم يعود لخيمته ليلاً ليعظ نفسه في “تأملاته”. عظمته لم تكن في فتوحاته، بل في لحظة خيانة قاسية من أقرب قادته (أفيديوس كاسيوس)، حين رفض غريزة الانتقام الإمبراطورية وخاطب جنوده بتمنٍّ غريب: “أن يعفو عن الخائن ليُظهر للعالم أن الرحمة ممكنة حتى في السياسة”. بالنسبة لماركوس، كان الغضب هو الوهن الحقيقي، واللطف هو القوة التي لا تُهزم.

​شارل ديغول: حين روضت “آن” كبرياء الجنرال

​ديغول، الذي كان يُلقب بـ “التمثال” لفرط صرامته، كان يخفي خلف سِتار تلك القوة العسكرية محراباً سرياً لللين الفائق. فبينما كانت خرائط المعارك تملأ طاولته، كان هناك كائنٌ واحد يملك مفاتيح قلبه الموصد: ابنته “آن” المصابة بمتلازمة داون.
​لم تكن “آن” بالنسبة لديغول مجرد ابنة، بل كانت الملاذ الذي يحرره من ثقل التاريخ. كان الجنرال يقتنص الوقت وسط الحرب ليرقص لها ويغني، باحثاً في براءتها عن “الحقيقة” التي تفتقر إليها تقارير الاستخبارات. وحين رحلت، قال بمرارة: “الآن، أصبحتُ مثل الآخرين”. لقد كانت “آن” هي البوصلة التي تمنعه من الغرق في صخرية السلطة، وبرحيلها فقد القائد تميُّزه الوجداني، لكنه أبقى للعالم درساً في أنَّ السيادة الحقيقية تجد في “الهشاشة” منبعاً لروحها.

​جاسيندا أرديرن: السياسة حين تتحدث بلسان القلب

​في نيوزيلندا، كسرت جاسيندا أرديرن القالب النمطي للقائد؛ ففي أعقاب مأساة “كرايستشيرش” الدامية، اختارت مسار “السيادة بالتعاطف”. لم تقف خلف المنصات الخشبية لتلقي البيانات الجافة، بل نزلت إلى الشارع بقلبٍ “مكشوف”، ارتدت الحجاب واعتنقت حزن الضحايا في لحظة “هشاشة علنية” رآها البعض ضعفاً، بينما كانت في العمق استراتيجية تحصين عظمى. بهذا الفعل، جردت الإرهاب من سلاحه (الاستقطاب)، وصار قلبها هو الدرع الذي رمم الوطن قبل أن تتسع شروخ الكراهية.

​الحُبُّ كفعلٍ سيادي: من غاندي إلى مانديلا

​في هذه المسارات، يتحول الحب إلى “رأس مال سياسي” صلب:
​نيلسون مانديلا: جسّد سيادة العاطفة حين “احتوى سجّانه”. أدرك أن السيادة لا تبدأ بالانتقام، بل بتفكيك كراهية الخصم. حوّل الحب إلى أداة لبناء الدولة عبر “لجان الحقيقة والمصالحة”، مؤمناً بأنَّ الصفح هو الفعل الوحيد الذي يحرر القائد وشعبه نحو المستقبل.
​المهاتما غاندي: جعل من “اللا عنف” (Satyagraha) اشتباكاً أخلاقياً أحرج إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس. الحب عنده لم يكن استسلاماً، بل قوة دفع وطنية أعادت للفقراء كرامتهم، وأثبتت أن الروح الإنسانية أقوى من العتاد.

​تحدي العصر: السيادة في مواجهة برد الخوارزمية

​ونحن نعبر عتبة عصر الذكاء الاصطناعي، يبرز السؤال الوجودي: هل ستحتاج “السيادة الرقمية” إلى الحب؟ بينما تعالج الخوارزميات مصائرنا ببرود الأرقام والكفاءة الجافة، تظل الهشاشة الإنسانية هي الحصن الوحيد الذي لا يمكن محاكاته. القيادة مستقبلاً لن تُقاس بالذكاء التقني الصرف، بل بالقدرة الوجدانية؛ فالحب هو القيمة المضافة التي تمنع السلطة من التحول إلى ديكتاتورية تقنية بلا روح.

نحو إمبراطوريات القلوب

​إنَّ الحبَّ في حياة الأقوياء ليس ترفاً، بل هو إعادة تعريف للقوة نفسها. السيادة الحقيقية ليست في القدرة على إلقاء الأثقال فوق كواهل الآخرين، بل في امتلاك “الأكتاف العريضة” التي تحملهُم ومعهم أثقالهم.
​رُبما آن الأوان لنسأل: هل القويُّ هو مَنْ لا يُحِبُّ، أمْ مَنْ لا يَخافُ أنْ يُحِبَّ؟ التاريخ يهمس لنا بأن القوة التي تفتقر للحب تنتهي كأطلال حجرية تذروها الرياح، أما القوة التي يسكنها الحب، فهي التي تبني إمبراطوريات داخل القلوب؛ وتصنع تاريخاً أقل قسوة، وقادةً أكثر صدقاً مع ذواتهم قبل العالم.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top