ضريبة “صيرفة”: عندما تقتسم السلطة مع الناجين أثمان نجاتهم

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​مع إسدال وزارة المالية الستار اليوم على مهل التصريح عن أرباح منصة “صيرفة”، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام اختبار كياني ينسف ما تبقى من أمان قانوني، ليتجاوز بتبعاته حدود الإجراء الضريبي التقني نحو أزمة عقد اجتماعي عميقة. فلم تعد المادة 93 من موازنة 2024، بفرضها ضريبة مقطوعة بنسبة 17% على عمليات نقدية تجاوزت سقف الـ 15 ألف دولار، مجرد محاولة لترميم خزينة متهالكة، بل غدت مرافعة أخلاقية تُسائل جوهر الدولة؛ هل هي كيان ناظم للعدالة، أم “شريك متأخر” يقتحم حسابات الناجين ليقتسم معهم أثمان نجاتهم؟ إنها اللحظة التي تحول فيها طوق النجاة النقدي إلى فخ ضريبي، يضع منطق الجباية القسرية في مواجهة مباشرة مع أخلاقيات السلطة.
​في العمق الحقوقي، يبرز مأزق “الاغتراب القانوني” كأحد أخطر تجليات هذه الضريبة. فالقانون، في فلسفته الرصينة، يرتكز على دعامتي “الوضوح واليقين” لتمكين الفرد من استشراف مآلات أفعاله. لكن استحضار المادة 93 لجلد الماضي بين عامي 2021 و2023 بضريبة وُلدت في 2024، يمثل طعنة في خاصرة مبدأ “عدم رجعية القوانين”. نحن هنا أمام مفارقة عبثية: سلطة تتقمص دور القاضي في “خطيئة مادية” كانت هي مهندسها الأول؛ إذ لم تكن “صيرفة” خياراً شعبياً عشوائياً، بل أداة سيادية أرسى قواعدها المصرف المركزي. إن هذا “الفصام التشريعي” لا يزعزع الثقة المهتزة فحسب، بل يكرس منطقاً يغدو فيه المواطن ضحية لقواعد تتغير في منتصف اللعبة.
​أبعد من السجال الدستوري، تتجلى الإشكالية الاجتماعية في التفاوت الصارخ لآليات التحصيل، حيث تحولت الضريبة إلى “عقاب انتقائي” للممتثلين. في مشهد تراجيدي، يجد الموظف الذي اؤتمن على راتبه والمودع الصغير الذي تشبث بالقنوات الرسمية، أنفسهم “رهائن” لسجلات مصرفية مكشوفة تحت مجهر الجباية. وفي المقابل، ينسل “المضاربون الأشباح” الذين شيدوا ثرواتهم في عتمة الأسماء المستعارة ودهاليز الصناديق السوداء، ليبقوا بمنأى عن أي ملاحقة. وهنا، تطل مقولة الحكيم “سولون” بمرارة: «القوانين مثل بيوت العنكبوت؛ تقع فيها الفرائس الصغيرة، وتخترقها الدبابير الكبيرة». إن تغييب التصاعدية ومساواة من استجدى ألف دولار لتأمين قوته بمن اقتنص الملايين، هو هدم ممنهج لمبدأ “القدرة التكليفية” الذي يمثل ضمير العدالة الضريبية.
​ختاماً، تغدو ضريبة “صيرفة” أبعد من كونها رقماً حسابياً؛ إنها التعبير الصارخ عن حالة “التيه” التي تسكن الوعي المالي الرسمي، ومحاولة لغسل خطايا حقبة نقدية مريبة بماء الجباية القسرية. ومع إغلاق المهل اليوم، لن تنتهي القضية عند صناديق التحصيل، بل ستنتقل المعركة إلى منصات القضاء، حيث سيبقى السؤال معلقاً: هل يمكن للجباية أن تستقيم إذا كان أساسها يفتقر للحق؟ إننا نشهد ولادة “ضريبة على النجاة” في وطن لا يكتفي بإصابة أبنائه، بل يُطالب فيه الضحية بدفع ثمن الرصاصة التي أخطأته.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top