
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
عشرة مبادئ لهدم الرفاه وسحق الشعوب
نعيش زمنًا يفيض بالتناقض.
العالم أكثر ثراءً من أي وقت مضى، وأشدّ بؤسًا في الوقت نفسه.
التكنولوجيا تتقدّم بخطى كونية، فيما الإنسان العادي يتراجع إلى حدود القلق الدائم: ديون بلا نهاية، عمل بلا أمان، ومستقبل يُؤجَّل إلى إشعار غير معلوم.
في كتابه اللافت «صلاة جنازة على الحلم الأمريكي»، لا يكتب نعوم تشومسكي مرثية لأمة بعينها، بل تشريحًا لنظام عالميّ أعاد تعريف التقدّم نفسه، فجعله حكرًا على قلّة، ومصدرَ قلقٍ للأكثرية.
إنه لا يتحدّث عن مؤامرة، بل عن منظومة: أفكار، قوانين، ومصالح تراكبت بهدوء حتى صار الظلم هو القاعدة، والعدالة استثناءً يُتغنّى به.
- تقليص الديمقراطية: حين يصبح الشعب عبئًا
الديمقراطية، كما تُمارَس اليوم، لم تعد حقلاً مفتوحًا للاختيار، بل مسرحًا مُعدًّا سلفًا.
تخشى النخب إرادة الناس حين تكون فعلًا حرّة، فتُفرغ السياسة من مضمونها عبر قوانين وانتخابات تضمن إعادة إنتاج الطبقة ذاتها. في لبنان والعالم العربي، يذهب المواطن إلى الاقتراع وهو يعلم – أو يشعر – أنّ الخيارات الممنوحة له لا تمسّ جوهر السلطة، بل تغيّر الوجوه وتُبقي البنية على حالها.
- اغتيال الـ«نحن»: انتصار الفرد المعزول
أخطر ما جرى لم يكن اقتصاديًا، بل ثقافيًا.
لقد أُعيد تشكيل الوعي العام ليؤمن بأن النجاح شأن فردي صرف، وأن الفشل خطيئة شخصية. هكذا تفكّك التضامن، وتراجعت فكرة المجتمع. حين تختفي الـ«نحن»، يصبح الإنسان وحيدًا في مواجهة نظام لا يرحم، ويغدو سحقه أسهل، لأنه بلا سند.
- من الإنتاج إلى المضاربة
لم يعد الاقتصاد مرآة للعمل والإبداع، بل لعبة أرقام.
تحوّل الثقل من المصانع والمعرفة إلى الأسواق المالية، حيث تُخلق الأرباح من التداول لا من القيمة الحقيقية.
وهنا نشأت فجوة خطيرة: الاقتصاد ينمو على الورق، بينما الأجور تتآكل، والطبقة الوسطى – عماد الاستقرار – تنزلق بصمت.
- الضرائب المقلوبة
لم تعد الضريبة أداة عدالة، بل وسيلة نقل للثروة من الأسفل إلى الأعلى.
يُحمَّل المواطن العبء عبر الضرائب غير المباشرة، فيما تُكافأ الشركات الكبرى بالإعفاءات. الدولة «تفتقر» إلى المال حين يتعلّق الأمر بالصحة والتعليم، لكنها لا تعجز عن حماية الأرباح الخاصة.
- تفكيك المشترك العام
حين تُضرب المدرسة الرسمية، والجامعة الوطنية، والضمان الاجتماعي، لا يكون الأمر صدفة ولا ضرورة مالية فقط.
إنه تفكيك متعمّد لفكرة الحق العام، ودفعٌ للإنسان إلى سوق خاصّ يُقاس فيه الأمان بالقدرة على الدفع. وهكذا يتحوّل المواطن إلى زبون، وتذبل فكرة الدولة الجامعة.
- الدولة الأسيرة
حين يكتب القوانين من يستفيد منها، تفقد الرقابة معناها.
ما يسميه تشومسكي «استلاب الدولة» هو تحوّل الحارس إلى شريك، والمؤسسة إلى واجهة. عندها، يصبح الفساد قانونيًا، والمساءلة ضربًا من الترف الأخلاقي.
- السياسة كسلعة
في عالم تُشترى فيه الحملات الانتخابية، لا تعود الأفكار هي الفيصل.
المال يشتري الوقت الإعلامي، ويهندس الرأي العام، ويحوّل الديمقراطية إلى سباق موارد لا سباق رؤى. صوت الفقير يُسمَع، لكنه لا يُحتسب.
- تشتيت الغضب
لمنع الغضب من الصعود نحو مراكز القرار، يُعاد توجيهه أفقيًا: طوائف، هويات، نزاعات جانبية.
الجائع المشغول لا يثور، والمنهك لا يفكّر. هكذا يُدار الخمول العام، لا بالقمع المباشر، بل بالإرهاق والتشويش.
- تعليم بلا تحرير
لم يعد التعليم مساحة لتكوين العقل النقدي، بل معبرًا وظيفيًا ضيّقًا.
يتخرّج الشباب مثقلين بالديون أو القلق، يبحثون عن وظيفة لا عن معنى. المدرسة والجامعة تُدرّبان على الامتثال، لا على السؤال، وكأن التفكير ترفٌ لا حاجة له.
- اليأس كغاية
حين يقتنع الناس بأن التغيير مستحيل، تكتمل الدائرة.
أخطر أشكال السيطرة هو إقناع الإنسان بأن واقعه قدر، وأن التاريخ انتهى. عندها، يستقيل المجتمع من الفعل العام، دون أن يُطلب منه ذلك.
الوعي بداية الاستعادة
لا يكتب تشومسكي ليُحبط، بل ليُسمّي الأشياء بأسمائها.
حين نفهم كيف سُرق المستقبل، نخطو الخطوة الأولى نحو استعادته. فالمصلحة العامة ليست شعارًا، بل شرط بقاء. والكرامة ليست منّة، بل حق.
لقد صُمّم هذا العالم ليخدم القلّة،
لكنه لا يستمرّ إلا بصمت الكثرة.
والوعي… هو أول كسرٍ لهذا الصمت.
